الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( باب الشهادة في القتل )

لما كانت الشهادة في القتل أمرا متعلقا بالقتل أوردها بعد ذكر حكم القتل ; لأن ما يتعلق بالشيء يكون أدنى درجة من ذلك الشيء قال رحمه الله ( ولا يقيد حاضر بحجته إذا أخوه غاب عن خصومته ، فإن بعد لا بد من إعادته ليقتلا ، ولو خطأ أو دينا لا ) يعني إذا قتل رجل وله وليان بالغان عاقلان أحدهما حاضر والآخر غائب فأقام الحاضر بينة على القتل لا يقتل قصاصا ، فإن عاد الغائب فليس لهما أن يقتلا بتلك البينة بل لا بد لهما من إعادة البينة للقتل عند الإمام وقالا لا يعيد ، ولو كان القتل خطأ أو دينا لا يعيدها بالإجماع وأجمعوا على أن القاتل يحبس إذا أقام الحاضر البينة ; لأنه صار متهما بالقتل والمتهم يحبس وأجمعوا على أنه لا يقضي بالقصاص ما لم يحضر الغائب ; لأن المقصود القصاص والحاضر لا يتمكن من الاستيفاء بالإجماع بخلاف ما إذا كان خطأ أو دينا ، فإنه يتمكن من استيفاء نصيبه في غيبة الآخر فلم [ ص: 365 ] تجب إعادتها بعد والوارث ينتصب خصما عن نفسه وعن شركائه فيما يدعي للميت ، وعلى الميت ولأبي حنيفة أن القصاص غير موروث ; لأنه يثبت بعد الموت للتشفي ودرك الثأر ، والميت ليس من أهله ، وإنما يثبت للورثة ابتداء بطريق الخلافة بسبب انعقد للميت أي يقومون مقامه فيستحق به ابتداء من غير أن يثبت للميت كالعبد يقبل الهدية يقع الملك فيها للمولى ابتداء بطريق الخلافة عنه ، وإنما كان كذلك ; لأن القصاص ملك الفعل في المحل بعد موت المجروح ولا يتصور الفعل من الميت ; ولهذا صح عفو الورثة قبل موت المجروح ، وإنما صح عفو المجروح ; لأن السبب انعقد له .

وفي قوله تعالى { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } نص على أن القصاص يثبت للوارث ابتداء بخلاف الدية والدين ; لأن الميت أهل لملك المال ; ولهذا لو نصب شبكة وتعلق بها صيد بعد موته يملكه وأصل الاختلاف راجع إلى أن استيفاء القصاص حق الورثة عنده ، وحق الميت عندهما فإذا كان القصاص يثبت حقا للورثة عنده ابتداء لا ينتصب أحدهم خصما عن الآخرين في إثبات حقهم بغير وكالة منهم وبإقامة الحاضر البينة لا يثبت القصاص في حق الغائب فيفيدها بعد حضوره ليتمكن من الاستيفاء ولا يلزمه أن القصاص إذا انقلب مالا يصير حقا للميت ; لأنه إذا انقلب مالا صار صالحا لقضاء حوائجه ، فصار مفيدا بخلاف القصاص ، ولا يصح الاستدلال بصحة عفو المورث ; لأنه إنما يصح في جواب الاستحسان لوجود سببه على ما بينا ، وهو الاستدلال معارض بعفو الوارث ، فإنه يجوز أيضا قبل موت المورث بعد الجرح استحسانا لوجود السبب فلولا أن الحق يثبت فيما له ابتداء لما صح عفوه أقول : فيه بحث ; لأن ما تمسكا به لا ينهض حجة على أبي حنيفة رحمه الله وما تمسك به ينهض حجة عليهما فكيف يتحقق التدافع ، وذلك أن القصاص ، وإن كان حقا للوارث عنده باعتبار ثبوته للوارث بناء على أن القصاص لا يثبت إلا بعد الموت والميت ليس من أهل أن يثبت له هذا الحق ; لأنه شرع للتشفي ودرك الثأر والميت ليس بأهل لذلك لكنه حق للمورث أيضا عنده باعتبار انعقاد سببه الذي هو الجناية في حق المورث .

وقد صرح به كثير من أصحاب الشروح فأبو حنيفة رحمه الله راعى فيما نحن فيه جهة كون القصاص حقا للوارث ، فقال باشتراط إعادة البينة إذا حضر الغائب احتيالا للدرء وقال بصحة العفو منه أيضا احتيالا للدرء أيضا ، وأما عندهما فالقصاص حق ثابت للمورث ابتداء من كل الوجوه ثم ينتقل بعد موته إلى الوارث بطريق الوراثة كسائر أملاكه فيتجه عليهما المؤاخذة بصحة العفو من الوارث حال حياة المورث بالإجماع فتدبر .

قال رحمه الله ( ، فإن أثبت القاتل عفو الغائب لم يعد ) معناه أن القاتل لو أقام بينة أن الغائب قد عفا عنه كان الحاضر خصما ، وسقط القصاص ولا تعاد البينة لو حضر ; لأنه ادعى حقا على الحاضر ، وهو سقوط حقه في القصاص وانقلاب نصيبه مالا ولا يتمكن من إثباته إلا بإثبات العفو من الغائب فانتصب الحاضر خصما عن الغائب في الإثبات عليه بالبينة ، فإذا قضى عليه صار الغائب مقتضيا عليه تبعا له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث