الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ العقل ضربان ] ثم هو ضربان غريزي وهو أصل ، ومكتسب وهو فرع . فأما الغريزي : فهو الذي يتعلق به التكليف ، وأما المكتسب : فهو الذي يؤدي إلى صحة الاجتهاد وقوة النظر ، ويمتنع أن يتجرد المكتسب عن الغريزي ، ولا يمتنع أن يتجرد الغريزي عن المكتسب ; لأن الغريزي أصل يصح قيامه بذاته ، والمكتسب فرع لا يصح قيامه إلا بأصله ، ومن الناس من امتنع من تسمية المكتسب عقلا ; لأنه من نتائجه ، ولا اعتبار بالنزاع في التسمية إذا كان المعنى مسلما .

واختلف فيه في أمور : [ تفاوت العقول ] أحدها : هل يتفاوت ؟ والأصح كما قاله الإمام في " التلخيص " وسليم الرازي في " التقريب " وابن القشيري وغيرهم : أنه لا يتفاوت ، فلا يتحقق شخص أعقل من شخص ، وإن أطلق ذلك كان تجوزا ، أو صرفا إلى كثرة التجارب ، قال [ ص: 122 ] فإنا بعد أن قلنا : إنه بعض العلوم الضرورية فلا يتحقق التفاوت فيها ، وعن المعتزلة وكثير من الحنابلة أنه يتفاوت ; لقوله عليه السلام : { ناقصات عقل ودين } . وقياس من فسر العقل بالعلم أنه يجري فيه الخلاف السابق في تفاوت العلوم ، والتحقيق : أنه إن أريد الغريزي فلا يتفاوت ، أو التجريبي فلا شك في تفاوته ، وإليه يميل كلام ابن سراقة حيث قال : هو على ضربين : منه مخلوق في الإنسان ، ومنه يزداد بالتجربة والاعتبار ، ويزيد وينقص ، كالعلم والإرادة والشهوة ونحوها من أفعال القلوب ، ولهذا يقال : فلان وافر العقل وفلان ناقص العقل . الثاني : اختلفوا في محله : فقيل لا يعرف محله ، وليس بشيء ، وعلى المشهور فيه ثلاثة أقوال ، وعند أصحابنا كما نقله ابن الصباغ وغيره أنه القلب ; لأنه محل لسائر العلوم ، وقالت الفلاسفة والحنفية : الدماغ ، والأول : منقول عن أحمد والشافعي ومالك ، والثاني : منقول عن أبي حنيفة حكاه الباجي عنه ، ورواه ابن شاهين عن أحمد بن حنبل أيضا .

والثالث : أنه مشترك بين الرأس والقلب . [ ص: 123 ] وقال الأشعري : لك حاسة منه نصيب ، وهذا يصلح أن يكون قولا رابعا ، وذكر إمام الحرمين في " النهاية " في باب أسنان إبل الخطأ : أنه لم يتعين للشافعي محله : وهذا يصلح أن يكون قولا خامسا . وقيل : الصدر ، ولعل قائله أراد القلب ، وقيل : هو معنى يضيء في القلب ، وسلطانه في الدماغ ; لأن أكثر الحواس في الرأس . ولهذا قد يذهب بالضرب على الدماغ . حكاه ابن سراقة . قال : وقال آخرون من أصحابنا : هو قوة وبصيرة في القلب منزلته منه منزلة البصر من العين ، ونبه الماوردي في " أدب الدين والدنيا " على فائدتين : إحداهما : أن الخلاف في الغريزي .

أما التجريبي فمحله القلب قطعا . الثانية : أن هذا الخلاف مفرع على القول بأنه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات ، وأن من نفى كونه جوهرا أثبت أن محله القلب ، وقال العبدري في " شرح المستصفى " : الخلاف في أن العقل محله ماذا ؟ مما يلتبس على كثير . فإنهم إن عنوا به القوة الناطقة على ما يظهر [ ص: 124 ] من كلامهم فخطأ ; لأنه ليست لها آلة ولا هي منسوبة إلى عضو من الأعضاء ، وإنما الذي ، ينبغي أن يقع الخلاف فيه . هل هي القوة المفكرة التي تنسب إلى الدماغ ؟ وهي ملتبسة بالقوة الناطقة من وجهين : كونها مختصة بالإنسان ، وكونها مميزة ، ولهذا الالتباس ظنوا أنها القوة الناطقة ، وحكوا فيها الخلاف . والذي غلطهم في ذلك عكس القضية الموجبة الكلية مثل نفسها ، وذلك أنه لما كانت القوة الناطقة مميزة مختصة بالإنسان عكسوا القضية ، فقالوا : كل قوة مميزة خاصة بالإنسان فهي قوة ناطقة . وليس كذلك ، إذ في الإنسان قوة أخرى مميزة خاصة به ، وليست الناطقة . والفرق بينهما : أن هذه موجودة في الإنسان لها آلة جسمانية بمنزلة سائر قوى النفس فهذه إذن يجب النظر في آلتها الدماغ أو القلب ، فأما القوة الناطقة التي سموها عقلا ، فليست قوة في جسم أصلا ، ولا هي جسم ، ولا لها آلة جسمانية . والفرق بين تمييزيهما : أن تمييز المفكرة شخصي ; لأنها تميز معنى الشيء المخيل المشخص تمييزا شخصيا ، فهي تالية للقوة المتخيلة ، كما أن المتخيلة تالية للقوة الحسية ، فهي إذن أكثر روحانية من التخيلية ، ولهذا اختصت بالإنسان ، وتمييز الناطقة كلي وهي عرية من مخالطة الجسم ، وليست من جنس القوى الحادثة الشخصية فافترقا ، وليست روحانيتها كذلك ، فلذلك شارك فيها الإنسان سائر الحيوانات .

وما يتفرع على الخلاف في أن محله ماذا ؟ ما لو أوضح رجل ، فذهب عقله ، فعند الشافعي ومالك يلزمه دية العقل ، وأرش الموضحة ; لأنه إنما أتلف عليه منفعة ليست في عضو الشجة تبعا لها ، وقال أبو حنيفة : إنما [ ص: 125 ] عليه العقل فقط ; لأنه إنما شج رأسه . وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج ، ودخل أرش الشجة في الدية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث