الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة الإمام وهو جالس

307 [ ص: 381 ] باب صلاة الإمام وهو جالس

276 - مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو شاك جالسا ، [ ص: 382 ] وصلى وراءه قوم قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : " إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا .

277 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن . . الحديث .

[ ص: 383 ] [ ص: 384 ]

التالي السابق


[ ص: 383 ] [ ص: 384 ] 7337 - فيه ركوب الخيل لأهل الدين والفضل والتقلب عليها ، لما في ذلك من العزة والعون على جهاد العدو .

7338 - وقد روى ثابت عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا لأبي طلحة عريا ، في حين فرغ أهل المدينة لخيل أغار بها عيينة بن حصن أو ابنه عبد الرحمن على لقاح المدينة ، ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " لن تراعوا ، لن تراعوا " .

[ ص: 385 ] 7339 - ثم قال في الفرس : " لقد وجدته بحرا ، أو إن وجدناه لبحرا " .

7340 - وهو مذكور بإسناده في " التمهيد " .

7341 - وأما قوله : جحش شقه ، فهو بمعنى : خدش شقه ، وقد قيل : الجحش فوق الخدش ، وحسبك أنه من أجله لم يقدر أن يصلي قائما فصلى قاعدا .

7342 - وأما قوله في الحديث : " إنما جعل الإمام ليؤتم به " فقد أجمع العلماء على أن الائتمام واجب على كل إمام بإمامه في ظاهر أفعاله الجائزة ، وأنه لا يجوز خلافه لغير عذر .

7343 - وقد روى معن بن عيسى في " " الموطأ " " عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه .

7344 - ولا أعلم أحدا رواه عن مالك من رواة " " الموطأ " " بهذا الإسناد غير معن بن عيسى ، وفيه : " فلا تختلفوا عليه " وليس في حديث ابن شهاب وهشام بن عروة قوله : " فلا تختلفوا عليه " .

7345 - وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 386 ] 7346 - واختلف العلماء في صلاة ما كانت نيته فيها خلاف نية إمامه .

7347 - فقال مالك وأصحابه : لا تجزئ أحد أن يصلي الفريضة خلف [ ص: 387 ] المتنفل ، ولا يصلي عصرا خلف من يصلي ظهرا ، ومتى اختلفت نية الإمام والمأموم في الفريضة بطلت صلاة المأموم دون الإمام ، وكذلك من صلى فرضه خلف المتنفل .

7348 - وهو قول أبي حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، وقول أكثر التابعين بالمدينة والكوفة .

7349 - وحجتهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما جعل الإمام ليؤتم به " فمن خالف في نيته فلم يأتم به .

7350 - وقال : فلا تختلفوا عليه ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال .

7351 - واعتلوا في قصة معاذ برواية عمرو بن يحيى ، عن معاذ بن رفاعة الزرقي ، عن رجل من بني سلمة أنه شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطويل معاذ بهم ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تكن فتانا ، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك " .

7352 - قالوا : وهذا يدل على أن صلاته بقومه كانت فريضته وكان متطوعا بصلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .

7353 - قالوا : وصلاة المتنفل خلف من يصلي الفريضة جائزة بإجماع العلماء على ذلك .

[ ص: 388 ] 7354 - وقال الشافعي ، والأوزاعي ، وداود ، والطبري ، وهو المشهور عن أحمد بن حنبل : يجوز أن يقتدى في الفريضة بالمتنفل ، وأن يصلى الظهر خلف من يصلي العصر ، فإن كل مصل يصلي لنفسه وله ما نواه من صلاته ، فالأعمال بالنيات .

7355 - ومن حجتهم أن قالوا : إنما أمرنا أن نأتم بالإمام فيما يظهر إلينا من أفعاله ، فأما النية فمغيبة عنها ، ومحال أن نؤمر باتباعه فيما يخفى من أفعاله علينا .

7356 - قالوا : وفي الحديث نفسه ما يدل على ذلك أنه قال : " إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا " .

7357 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من زاد في هذا الحديث : " وإذا كبر فكبروا ، وإذا سجد فاسجدوا " .

7358 - ولم تختلف الرواية فيه في قوله : " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا " . فعرفنا أفعاله التي نأتم به فيها - صلى الله عليه وسلم - بما يقتدى فيه بالإمام ، وهي أفعاله إليهم من التكبير والركوع والسجود والقيام والقعود ، ففي هذا قيل لهم : لا تختلفوا عليه .

7359 - قالوا : ومن الدليل على صحة هذا التأويل حديث جابر من نقل الأئمة في قصة معاذ ، إذ كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ينصرف فيؤم قومه في تلك الصلاة التي صلاها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي له نافلة ولهم فريضة .

[ ص: 389 ] 7360 - ولا يوجد من نقل من يوثق به : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " إما أن تجعل صلاتك معي وإما أن تخفف بالقوم " .

7361 - وهذا لفظ منكر لا يصح عن أحد يحتج بنقله ، ومحال أن يرغب معاذ عن الصلاة الفريضة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاته مع قومه وهو يعلم فضل ذلك وفضل صلاة الفريضة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفه - صلى الله عليه وسلم - .

7362 - والدليل على صحة هذا التأويل أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " .

7363 - فنهى أصحابه وسائر أمته أن يشتغلوا بنافلة إذا أقيمت المكتوبة ، فكيف يظن بمعاذ أن يترك صلاة لم يصلها بعد ولم يقض ما افترض عليه في وقتها ويتنفل وتلك تقام في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو - صلى الله عليه وسلم - قد قال لهم : " لا صلاة إلا المكتوبة التي تقام ! ! .

7364 - وقد روى ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر أن معاذا كان يصلي مع النبي العشاء ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم ، هي له تطوع ولهم فريضة .

7365 - وهذا نص في موضع الخلاف .

7366 - قال ابن جريج : وحدثت عن عكرمة عن ابن عباس أن معاذا . . . فذكر مثله سواء .

7367 - وأما قوله في حديث مالك في هذا الباب : " وإذا صلى قائما فصلوا قياما " فهذا كلام خرج على صلاة الفريضة . وهذا ما لا خلاف فيه .

7368 - وقد أجمع العلماء على جواز صلاة الجالس خلف الإمام القائم في [ ص: 390 ] النافلة ، فدل على ما ذكرنا إلا أن المصلي جالسا في النافلة وهو قادر على القيام - له نصف أجر المصلي فيها قائما .

7369 - وأجمع العلماء على أن القيام في الصلاة المكتوبة فرض واجب ، لقول الله عز وجل : " وقوموا لله قانتين " ( البقرة : 238 ) فلا يجوز لأحد أن يصلي مكتوبة قاعدا وهو قادر على القيام .

7370 - واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام .

7371 - فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم اتباعا لهذا الحديث ، وما كان مثله في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " وإذا صلى جالسا - يعني من عذر - فصلوا جلوسا أجمعون " .

7372 - روي هذا من طرق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأنس وجابر ، بأسانيد صحاح .

7373 - وممن قال بأن الإمام إذا صلى جالسا لمرض أصابه صلى الناس خلفه جلوسا ، وهم أصحاء قادرون على القيام : حماد بن زيد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، أخذا بحديث مالك هذا ، وما كان مثله واتباعا له .

7374 - وإليه ذهب بعض أصحاب الظاهر .

7375 - وقال أحمد بن حنبل : وفعله أربعة من الصحابة بعده : أسيد بن حضير ، وقيس بن قهد ، وجابر بن عبد الله ، وأبو هريرة .

7376 - قال أبو عمر : قد ذكرنا الأسانيد بذلك عنهم في " التمهيد " .

[ ص: 391 ] 7377 - وقال جمهور العلماء : لا يجوز لأحد أن يصلي شيئا من الصلوات المكتوبات جالسا وهو صحيح قادر على القيام ، لا إماما ولا منفردا ولا خلف إمام .

7378 - ثم اختلفوا ، فمنهم من أجاز صلاة القائم خلف القاعد كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته للحديث الذي فيه صلاة أبي بكر وهو قائم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قاعد في مرضه الذي مات فيه ، والناس قيام خلفه مع أبي بكر .

7379 - ويأتي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى .

7380 - وممن قال بهذا الشافعي ، وأبو ثور ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وداود بن علي .

7381 - وقد روى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز للإمام المريض أن يصلي بالناس جالسا وهم قيام .

7382 - قال : وأحب إلي أن يقوم بجنبه من يعلم الناس بصلاته .

7383 - وهذه الرواية غريبة عن مالك عند أصحابه .

7384 - وقال ابن القاسم : لا يأتم القائم بالجالس في فريضة ولا نافلة ، ولا بأس أن يأتم الجالس بالقائم .

7385 - قال : ولا ينبغي لأحد أن يؤم أحدا في فريضة ولا نافلة قاعدا ، فإن عرض له ما يمنعه من القيام استخلف .

[ ص: 392 ] 7386 - واحتج ابن القاسم في ذلك بأن قال : حدثني مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وهو مريض ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فجلس إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر هو الإمام ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بصلاة أبي بكر ، وقال : " ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته " .

[ ص: 393 ] 7387 - قال ابن القاسم : قال مالك : والعمل عندنا على حديث ربيعة هذا وهو أحب إلي .

7388 - قال سحنون : بهذا الحديث يأخذ ابن القاسم وليس في " " الموطأ " " أن أبا بكر كان الإمام وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مؤتما ، والذي في " " الموطأ " " خلاف هذا أن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس يصلون بصلاة أبي بكر وهو قائم ، والناس قيام ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس .

7389 - وذكر أبو مصعب في مختصره عن مالك ، قال : لا يؤم الناس أحد قاعدا ، فإن أمهم قاعدا فسدت صلاته وصلاتهم .

7390 - قال : فإن كان الإمام عليلا تمت صلاته وفسدت صلاة من خلفه .

[ ص: 394 ] 7391 - قال : ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة .

7392 - فعلى رواية أبي مصعب هذه ، عن مالك تجب الإعادة على من صلى قائما خلف إمام مريض جالس في الوقت وبعده .

7393 - وقد روي عن مالك أنهم يعيدون في الوقت خاصة .

7394 - وذلك - والله أعلم - لحديثه عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن أبا بكر كان يصلي بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس وأبو بكر إلى جنبه قائم ، والناس قيام يصلون بصلاة أبي بكر .

7395 - ولما رواه في غير " " الموطأ " " عن ربيعة أن أبا بكر كان المقدم وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بصلاته فلما رأى الاختلاف في ذلك احتاط فرأى الإعادة في الوقت ; لأن كلا قد أدى فرضه على حسب حاله .

7396 - وقد احتج محمد بن الحسن لقوله ومذهبه في هذا الباب بالحديث الذي ذكر أبو المصعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يؤم أحد بعدي قاعدا " .

7397 - وهو حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث إنما يرويه جابر الجعفي ، عن الشعبي ، مرسلا ، وجابر الجعفي لا يحتج بما يرويه مسندا ، فكيف بما يرويه مرسلا ؟

7398 - وأما قول محمد بن الحسن وأصحابه في هذا الباب فإنه قال : إذا صلى الرجل لمرض به جالسا يركع ويسجد ولا يطيق إلا ذلك - بقوم قيام يركعون ويسجدون ، فإن صلاته جائزة وصلاتهم باطلة ، وإن كان خلفه أحد جالسا لا يطيق القيام فحكمه حكم الإمام صلاته جائزة وصلاة من خلفه من قائم أو جالس يطيق القيام باطل وعليهم الإعادة .

[ ص: 395 ] 7399 - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : صلاة القائمين خلفه جائزة .

7400 - وهو قول زفر .

7401 - واتفق أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في أن الإمام لو كان ممن لا يقدر إلا على الإيماء ولا يقدر على الجلوس ولا الركوع ولا السجود جالسا ، فاقتدى به في الإيماء قوم قيام يركعون ويسجدون ، لم تجزهم صلاتهم وأجزأت الإمام صلاته .

7402 - وكان زفر يقول : تجزئهم صلاتهم ; لأنهم صلوا على فرضهم وصلى إمامهم على فرضه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث