الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا

                                                          * * *

                                                          إذا كان الشيطان يعد أولياءه بالأماني الكاذبة، ويدفعهم إلى أوهام لا أصل لها، فالله تعالى قد وعد المؤمنين وعدا حقا، وإذا كان المشركون قد رأوا مآلهم جهنم لا يجدون عنها معدلا، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات جزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وأولئك يستحقون هذا، أولا: بإيمانهم الصادق، وانفكاكهم عن حبائل الشيطان، وبعدهم عن غروره وخديعته، وثانيا: بأعمالهم الطيبة الصالحة المبنية على أسباب [ ص: 1868 ] معقولة لا على أهواء مرذولة، فهي تفيد أنفسهم ومجتمعهم، ويؤدون بها حق ربهم.

                                                          وإن ذلك الجزاء اتصف بأمور ثلاثة:

                                                          أولها: أنه نعيم مادي فهو جنات وحدائق فيها كل ما تشتهيه الأنفس.

                                                          وثانيها: أن فيها نعيما معنويا تلذ به الأعين، وتنشرح له الصدور، وهو أن الأنهار تجري من تحت قصور، فتريهم منظرا بهيجا يسر الناظرين إليه.

                                                          وثالثها: أنها خالدة لا تنقطع ولا تزول، ولا يعرض لها تغيير ولا تبديل.

                                                          وهناك ما هو أغلى من كل هذا، وهو رضوان الله تعالى.

                                                          وإذا كان الشيطان قد غر أولياءه فقد صدق الله تعالى أولياءه، فقال: وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا وعد الله تعالى وعدا، وحقه حقا، فهو وعيد ثابت لا يقبل تغييرا ولا تبديلا، إذ هو وعد ثابت صادق لأنه وعد الله تعالى، ولا يوجد أصدق قولا من الله تعالى، فالاستفهام في قوله تعالى: ومن أصدق من الله قيلا للنفي، والمعنى لا يوجد في هذا من أصدق من الله قولا، فقيل معناها قول مؤكد لا ريب، وصدق وعد الله تعالى، لأنه من ذي الجلال والإكرام المهيمن على كل شيء، فلا يتصور أن يكون من قوله سبحانه غير الحق والصدق، وفوق ذلك هو وحده القادر على تنفيذ ما وعد به.

                                                          وهذا في مقابل تغرير الشيطان بالأوهام والوعود الكاذبة; لأنه عاجز عجزا مطلقا، والله تعالى هو القادر قدرة مطلقة، اللهم اجعلنا ممن يصدق فيهم وعدك ولا يصدق فيهم وعيدك، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

                                                          * * *

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية