الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشعر في المسجد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 509 ]

68 - باب

الشعر في المسجد

442 453 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع: أبنا شعيب، عن الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا حسان، أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة: نعم

التالي السابق


ليس في هذه الرواية التي خرجها البخاري هاهنا ذكر إنشاد حسان في المسجد، إنما فيه ذكر مدح حسان على إجابته عن النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء له على ذلك، وكفى بذلك دليلا على فضل شعره المتضمن للمنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرد على أعدائه والطاعنين عليه، والمساجد لا تنزه عن مثل ذلك.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من الشعر حكمة ".

وقد خرجه البخاري في موضع آخر من حديث أبي بن كعب - مرفوعا.

وخرج - أيضا - من حديث البراء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان : " اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك ".

وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وهو روح القدس بنصرة من نصره ونافح عنه ; لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وهو يتولى نصر رسله وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط وفرعون في البحر.

فمن نصر رسول الله وذب عنه أعداءه ونافح عنه كان جبريل معه ومؤيدا له كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير

[ ص: 510 ] وقد خرج البخاري في " بدء الخلق " عن ابن المديني ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال: مر عمر في المسجد وحسان ينشد، فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة ، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس"؟ قال: نعم.

وهذا نوع إرسال من ابن المسيب; لأنه لم يشهد هذه القصة لعمر مع حسان عند أكثر العلماء الذين قالوا: لم يسمع من عمر ومنهم من أثبت سماعه منه شيئا يسيرا.

وقد خرج هذا الحديث مسلم ، عن غير واحد، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن عمر مر بحسان - فجعل [ ص: 511 ] الحديث كله عن أبي هريرة متصلا.

ورواية ابن المديني أصح، وكذا رواه جماعة عن الزهري .

وروى ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة ، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما، يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قالت: ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر - أو ينافح - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

خرجه الترمذي .

وخرجه - أيضا - في طريق ابن أبي الزناد ، عن أبيه، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - مثله.

وقال: حسن صحيح غريب، وهو حديث ابن أبي الزناد .

يعني: أنه تفرد به.

وخرجه أبو داود من الطريقين - أيضا -.

وكذلك خرجه الإمام أحمد وعنده: "ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعر".

وذكره البخاري في موضع آخر من "صحيحه" - تعليقا - فقال: وقال ابن أبي الزناد .

وخرجه الطبراني ، وزاد في حديثه: " فينشد عليه الأشعار ".

[ ص: 512 ] وروى سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم.

خرجه الإمام أحمد .

وخرجه النسائي ، ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه، ويذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر، ويضحكون، ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخرجه مسلم ، إلا أنه لم يذكر الشعر.

وقد روي ما يخالف هذا، وهو النهي عن إنشاد الأشعار في المساجد:

فروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ينشد في المسجد الأشعار - في حديث ذكره.

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، قال: حديث حسن.

وخرج أبو داود نحوه من حديث حكيم بن حزام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد فيه نظر وانقطاع.

وروى أبو القاسم البغوي في "معجمه" من طريق ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام ، عن أبيه، قال: أتى [ ص: 513 ] ابن الحمامة السلمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقال: إني أثنيت على ربي تعالى ومدحتك، قال: "أمسك عليك" ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج به من المسجد، فقال: "ما أثنيت به على ربك فهاته، وأما مدحي فدعه عنك" فأنشد حتى إذا فرغ دعا بلالا فأمره أن يعطيه شيئا، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فوضع يده على حائط المسجد، فمسح به وجهه وذراعيه، ثم دخل.

وهذا مرسل، وفيه جواز التيمم بتراب جدار المسجد ، وهو رد على من كرهه من متأخري الفقهاء، وهو من التنطع والتعمق.

وروى وكيع في "كتابه" عن مبارك بن فضالة ، عن ظبيان بن صبيح الضبي ، قال: كان ابن مسعود يكره أن ترفع الأصوات في المساجد، أو تقام فيها الحدود، أو ينشد فيها الأشعار، أو تنشد فيها الضالة.

وروى أسد بن موسى في "كتاب الورع": ثنا ضمرة ، عن ابن عطاء الخراساني ، عن أبيه، قال: كان أهل العلم يكرهون أن ينشد الرجل ثلاثة أبيات من شعر في المسجد حتى يكسر الثالث.

وهذا تفريق بين قليل الشعر فيرخص فيه، وهو البيت والبيتان، وبين كثيره، وهو ثلاثة أبيات فصاعدا.

وقال ابن عبد البر : إنما ينشد الشعر في المسجد غبا من غير مداومة. قال: وكذلك كان حسان ينشد.

وجمهور العلماء على جواز إنشاد الشعر المباح في المساجد، وحمل بعضهم حديث عمرو بن شعيب على أشعار الجاهلية، وما لا يليق ذكره في المساجد، ولكن الحديث المرسل يرد ذلك.

والصحيح في الجواب: أن أحاديث الرخصة صحيحة كثيرة، فلا تقاوم [ ص: 514 ] أحاديث الكراهة في أسانيدها وصحتها.

ونقل حنبل ، عن أحمد قال: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لا ينشد فيه شعر، ولا يمر فيه بقطع اللحم، يجتنب ذلك كله ؛ كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث