الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


150 [ ص: 134 ] حديث ثان لابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد .

مالك ، عن ابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن

التالي السابق


هكذا رواه جماعة الرواة ، عن مالك إلا المغيرة بن سقلاب ، فإنه رواه عن مالك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي ، جميعا ، عن أبي سعيد الخدري ، ولم يذكر سعيدا في إسناد هذا الحديث غيره ، والله أعلم .

وقد روي هذا الحديث عن مسدد ، عن يحيى القطان ، عن مالك ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، عن النبي صلى الله [ ص: 135 ] عليه وسلم ، وذلك خطأ من كل من رواه بهذا الإسناد ، عن مسدد أو غيره ، ولا يعرف فيه ويحفظ إلا حديث الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد الخدري وهو الصحيح فيه ، والله أعلم .

واختلف العلماء في معنى هذا الحديث بعد إجماعهم على صحته ، فذهب بعضهم إلى أن الذي يسمع يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره ، وحجتهم ظاهر هذا الحديث وعمومه ، ومن حجتهم أيضا ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن أبي المليح ، عن عبد الله بن عتبة ، عن عمته أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندي فسمع المؤذن قال كما يقول حتى يسكت وروى ابن وهب ، عن حيي ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمر أن رجلا قال : يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل كما يقولون فإذا انتهيت فاسأله تعط .

[ ص: 136 ] وروى كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد : صلوا عليه عشرا . الحديث . وقال آخرون : يقولون ما يقول المؤذن في كل شيء ، إلا في قوله : حي على الصلاة وفي قوله ( : حي على الفلاح ) فإنه يقول إذا سمع المؤذن ينادي بذلك : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم يتم الأذان معه إلخ .

واحتجوا بما حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جهضم ( ح ) وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا إسحاق بن محمد القروي ، قالا جميعا : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عمارة بن غزية ، عن حبيب بن عبد الرحمن بن يساف ، عن حفص بن عاصم بن عمر ، عن أبيه ، عن جده عمر بن الخطاب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال المؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، قال أحدكم : الله أكبر ، الله أكبر ، فإذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فإذا قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : أشهد أن محمدا رسول الله [ ص: 137 ] ثم قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر ( الله أكبر ) قال : الله أكبر ( الله أكبر ) ثم قال : لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله من قلبه - دخل الجنة .

وحدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا مجاهد بن موسى ، وإبراهيم بن الحسن ، قالا : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن يحيى ، أن عيسى بن عمر أخبره ، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ، قال : إني عند معاوية ، إذ أذن مؤذنه فقال معاوية كما قال المؤذن حتى إذا قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فلما قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال بعد ذلك ما قال المؤذن ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك .

[ ص: 138 ] وقال آخرون : يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ حي على الصلاة حي على الفلاح ، فيقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، بدل كلمة منها مرتين مرتين ، على حسب ما يقول المؤذن ، ثم لا يزيد على ذلك ، وليس عليه أن يختم الأذان .

واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا مضر بن محمد قال : حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال : حدثنا ابن عياش ، عن مجمع بن جارية ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري قال : سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول - إذا أذن المؤذن - مثل قوله ، وإذا قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله .

حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا عبد الله بن روح ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أنبأنا هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عيسى بن طلحة ، قال : دخلنا على معاوية في المؤذن ، فقال : الله أكبر ، فقال معاوية مثل ذلك ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال معاوية مثل ذلك ، فقال : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال معاوية مثل ذلك ، ثم قال : هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم . قال يحيى : فحدثني بعض أصحابنا هذا الحديث أنه كان إذا قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله .

[ ص: 139 ] وقال آخرون : إنما يقول مثل ما يقول المؤذن في التكبير والشهادتين ، ولا يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا حي على الصلاة ولا ما بعدها .

وحجتهم ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا مجمع بن يحيى الأنصاري ، قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، قال : سمعت معاوية إذا كبر المؤذن اثنتين ( كبر اثنتين فإذا شهد أن لا إله إلا الله اثنتين شهد اثنتين ) وإذا شهد أن محمدا رسول الله شهد اثنتين ، ثم التفت إلي فقال : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الأذان .

ورواه الزبيري ، عن الحسن بن جابر ، عن أبي هبيرة ، عن معاوية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه ) .

قال أبو عمر : حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ ) وأظن أبا داود ( إنما ) تركه لذلك ، وكذلك البخاري ، وذكره النسوي .

وقال آخرون : إنما يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد دون التكبير ودون سائر الأذان .

[ ص: 140 ] واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا بكر ، قال : حدثنا مسدد ، قال : أخبرنا بشر بن المفضل ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذن يتشهد فقولوا مثل قوله .

وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث ، عن الحكيم بن عبد الله بن قيس ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ( عن سعد بن أبي وقاص ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا - غفر الله له ، هكذا رواه قتيبة ، عن الليث ، عن الحكيم ، وتابعه على ذلك يحيى بن إسحاق ، عن الليث . ذكره ابن أبي شيبة ، عن يحيى بن إسحاق ، حدثنا الليث بن سعد ، عن الحكيم ، بإسناده مثله ، وقال فيه أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث ، عن الليث ، حدثني يزيد بن حبيب ، عن الحكيم . ورواه يحيى بن عثمان [ ص: 141 ] ومطلب بن شعيب ، عن أبي صالح ، عن الليث ، عن الحكيم ، ثم سمعته من الحكيم بن عبد الله فرواه عنه . ومن قال بهذا الحديث يقول : لا يلزم من سمع المؤذن أن يأتي بألفاظه إذا أتى بمعناه من التشهد والإخلاص والتوحيد .

ومن حجة من ذهب هذا المذهب أيضا ما حدثناه عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر التمار قال : حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا إبراهيم بن مهدي قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن يشهد قال : وأنا وأنا .

واختلف الفقهاء في المصلي يسمع المؤذن ، وهو في نافلة أو فريضة ، فقال مالك : إذا أذن المؤذن وأنت في صلاة مكتوبة فلا تقل مثل ما يقول ، وإذا كنت في نافلة فقل مثل ما يقول : التكبير والتشهد ، فإنه الذي يقع في نفسي أنه أريد بالحديث . هذا رواية ابن القاسم ومذهبه .

وقال ابن وهب - من رأيه - يقول المصلي مثل ما يقول المؤذن في المكتوبة والنافلة . وقال سحنون : لا يقول ذلك في نافلة ولا مكتوبة .

[ ص: 142 ] وقال الليث مثل قول مالك إلا أنه قال : ويقول في موضع حي على الصلاة حي على الفلاح : لا حول ولا قوة إلا بالله .

وقال الشافعي : لا يقول المصلي في نافلة ولا مكتوبة مثل ما يقول المؤذن إذا سمعه وهو في الصلاة ، ولكن إذا فرغ من الصلاة قاله .

وذكر الطحاوي قال : لم أجد ، عن أصحابنا في هذا شيئا منصوصا . وقد حدثنا ابن أبي عمر ، عن ابن سماعة ، عن أبي يوسف ، فيمن أذن في صلاته إلى قوله : أشهد أن محمدا رسول الله ، ولم يقل : حي على الصلاة - أن صلاته تفسد إن أراد الأذان في قول أبي يوسف . وقول أبي حنيفة : يعيد إذا أراد الأذان .

قال أبو جعفر : وقول محمد كقول أبي حنيفة ، لأنه يقول فيمن يجيب إنسانا ، وهو يصلي بلا إله إلا الله - أن صلاته فاسدة . قال أبو جعفر : فهذا يدل على أن من قولهم أن من سمع الأذان في الصلاة لا يقوله .

وذكر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن خواز منداد البصري المالكي ، عن مالك أنه قال : يجوز أن يقول المصلي في صلاة النافلة مثل ما يقول المؤذن من التكبير والشهادتين ، فإن قال : حي على الصلاة حي على الفلاح - الأذان كله - كان [ ص: 143 ] مسيئا وصلاته تامة ، وكره أن يقول في الفريضة مثل ما يقول المؤذن ، فإن قال الأذان كله في الفريضة أيضا لم تبطل صلاته ، ولكن الكراهية في الفريضة أشد .

وذكر عن الشافعي ، أنه يقول في النافلة الشهادتين ، وإن قال : حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح حي على الفلاح - بطلت صلاته نافلة كانت أو فريضة .

قال أبو عمر : ما تقدم ، عن الشافعي من الجمع بين النافلة والمكتوبة أصح عنه ، والقياس أن لا فرق بين المكتوبة والنافلة إلا أن قوله : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد اضطربت في ذلك الآثار وهو كلام ، فلا يجوز أن يقال في نافلة ولا فريضة .

وأما سائر الأذان فمن الذكر الذي يصلح في الصلاة ، ألا ترى إلى حديث معاوية بن الحكم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الناس إنما ( هو ) التسبيح والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن وقد قال صلى الله عليه وسلم : قولوا مثل ما يقول المؤذن ولم يخص صلاة من غير صلاة ؟ فما كان من الذكر الذي مثله يصلح في الصلاة جاز فيها قياسا ونظرا واتباعا للأثر .

[ ص: 144 ] وأما الشافعي ومن قال بقوله في كراهية قول من يقول بقول المؤذن إذا كان سامعه في صلاة نافلة أو مكتوبة ، فإنهم شبهوه برد السلام وتشميت العاطس ، وقد ورد الأمر في الكتاب والسنة بهما ، وذلك مما يجب على غير المصلي ولا يجب على المصلي . قالوا : فكذلك الأذان ، وبالله التوفيق .

حدثنا خلف بن القاسم ، حدثنا يحيى بن الربيع ، حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا ضمام بن إسماعيل قال : قال أبو قنان لامرأته ، وكان من العباد : إذا مت فتزوجي فلانا ، فتزوجته فكانت تقول له : قم فصل بالليل فإن أخاك كان يصلي بالليل ، فكانت تؤذيه بذلك ، فأتيت في منامها فقيل لها : إن زوجك هذا أرفع من أبي قنان بدرجة ، قالت : وكيف وأبو قنان كان يصلي بالليل ؟ فقيل لها : إن هذا يقول كما يقول المؤذن .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث