الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف - رحمه الله تعالى - كتاب الأطعمة ( ما يؤكل شيئان ، حيوان وغير حيوان ، فأما الحيوان فضربان ، حيوان البر وحيوان البحر فأما حيوان البر فضربان ، طاهر ونجس ، فأما النجس فلا يحل أكله ، وهو الكلب والخنزير ، والدليل عليه قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } وقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } والكلب من الخبائث ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : الكلب خبيث ، خبيث ثمنه ) وأما الطاهر فضربان ، طائر ودواب ، فأما الدواب فضربان دواب الإنس ودواب الوحش ، فأما دواب الإنس فإنه يحل منها الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم لقوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } وقوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } والأنعام من الطيبات ، ولم يزل الناس يأكلونها ويبيعون لحومها في الجاهلية والإسلام : ويحل [ أكل ] الخيل لما روى جابر رضي الله عنه قال : { ذبحنا يوم خيبر من الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل } ولا تحل البغال والحمير لحديث جابر رضي الله عنه . ولا يحل السنور لما [ ص: 4 ] روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الهرة سبع ) ولأنه يصطاد بالناب ويأكل الجيف فهو كالأسد .

التالي السابق


( فرع ) لحم الحمر الأهلية حرام عندنا ، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف ، قال الخطابي : هو قول عامة العلماء ، قال : وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس ، رواه عنه أبو داود في سننه ، قلت : ورواه عن ابن عباس البخاري في صحيحه كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، وعند مالك ثلاث روايات في لحمها ، أشهرها أنه مكروه كراهة تنزيه شديدة ، والثانية حرام والثالثة مباح ، واحتج لابن عباس بقوله تعالى . { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة } الآية ، وبحديث غالب بن أبجر قال : { أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم إلا الحمر الأهلية ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية [ ص: 8 ] فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أصابتنا السنة ، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر ، وإنك حرمت الحمر الأهلية فقال : أطعم أهلك من سمين حمرك ، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية } رواه أبو داود واتفق الحفاظ على تضعيفه . قال الخطابي والبيهقي وغيرهما . هو حديث يختلف في إسناده ، يعنون مضطربا . قال البيهقي وغيره : وهذا الحديث لا يعارض الأحاديث الصحيحة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى ، قالوا : ولو بلغ ابن عباس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة في تحريمها لم يصر إلى غيرها . ودليل الجمهور في تحريمها حديث علي رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية } رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية } رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر بن عبد الله { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل } رواه البخاري ومسلم .

وعن البراء بن عازب قال : { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبنا حمرا فطبخناها ، فأمر مناديا فنادى أن أكفئوا القدور } رواه البخاري ومسلم من طرق ، وروياه من رواية عبد الله بن أبي أوفى .

وعن سلمة بن الأكوع قال : { لما قدمنا خيبر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نيرانا توقد فقال : علام توقد هذه النيران ؟ فقالوا : على لحوم الحمر الأهلية قال : كسروا القدور وأهريقوا ما فيها ، فقال رجل من القوم : يا رسول الله أو نهريق ما فيها ونغسلها ؟ فقال : أو ذاك } رواه البخاري ومسلم . وعن عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهلية فقال : قد كان يقول ذاك الحكم ابن عمرو الغفاري [ ص: 9 ] عندنا بالبصرة ، ولكن أبى ذلك ابن عباس وقرأ : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } رواه البخاري ، وقوله : أبى ذلك ابن عباس محمول على أنه لم يبلغه حديث الحكم بن عمرو وغيره . وعن ابن عباس قال : ( لا أدري أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس ، فكره أن تذهب حمولتهم ؟ أو حرم يوم خيبر لحم الحمر الأهلية ؟ ) رواه البخاري ومسلم وعن ابن أبي أوفى قال : { أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها ، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا ، فقال ناس : إنما حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها لم تخمس وقال آخرون : حرمها ألبتة } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي ثعلبة الخشني قال : { حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الحمر ، ولحم كل ذي ناب من السباع } رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم { حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية } وعن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال : أكلت الحمر ؟ ثم جاءه جاء فقال : أكلت الحمر ، ثم جاءه جاء فقال : أفنيت الحمر فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : { رجس من عمل الشيطان } وفي رواية له : ( رجس أو نجس ) وعن المقدام بن معدي كرب قال : { حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي } رواه البيهقي وغيره والأحاديث في المسألة كثيرة والله أعلم .

( وأما ) الحديث المذكور في سنن أبي داود عن غالب بن أبجر قال : { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أصابتنا السنة ، ولم يكن في مالي [ ص: 10 ] ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر ، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية ، فقال : أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية } يعني بالجوال الذي يأكل الجلة وهي العذرة . فهذا الحديث مضطرب مختلف الإسناد ، كثير الاختلاف والاضطراب باتفاق الحفاظ ، وممن أوضح اضطرابه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف ، فهو حديث ضعيف . ولو صح لحمل على الأكل منها حال الاضطرار ، ولأنها قصة عين لا عموم لها ، فلا حجة فيها ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث