الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فذكر إن نفعت الذكرى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فذكر إن نفعت الذكرى )

أما قوله تعالى : ( فذكر إن نفعت الذكرى )

فاعلم أنه تعالى لما تكفل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تاما وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاما بمقتضى قوله : ( ونيسرك لليسرى ) أمره بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله : ( فذكر ) لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضا للكمال ، فكان تاما وفوق التمام ، وههنا سؤالات : [ ص: 131 ]

السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله : ( إن نفعت الذكرى ) ؟ الجواب : أن المعلق بـ " إن " على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) [ النور : 33 ] ومنها قوله : ( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) [ البقرة : 172 ] ومنها قوله : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) [ النساء : 101 ] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله : ( ولم تجدوا كاتبا فرهان ) [ البقرة : 283 ] والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله : ( فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ) [ البقرة : 230 ] والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد :

إحداها : أن من باشر فعلا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال : ( إن نفعت الذكرى ) .

وثانيها : أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله : ( سرابيل تقيكم الحر ) والتقدير : ( فذكر إن نفعت الذكرى ) أو لم تنفع .

وثالثها : أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق : قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به .

ورابعها : أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل : ادع فلانا إن أجابك ، والمعنى : وما أراه يجيبك .

وخامسها : أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيرا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يتحرق حسرة على ذلك فقيل له : ( وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) [ ق : 45 ] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط .

السؤال الثاني : التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلا بالعواقب ، أما علام الغيوب فكيف يليق به ذلك ؟ الجواب : روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) [ طه : 44 ] وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غيره ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر .

السؤال الثالث : التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات المرات ، أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف ؟ والجواب : أن الضابط فيه هو العرف . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث