الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : المتفقون على صحة الصلاة في الدار المغصوبة ينقسم النهي عندهم إلى ما يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه ، وإلى ما يرجع إلى غيره فلا يضاد وجوبه ، وإلى ما يرجع إلى وصف المنهي عنه لا إلى أصله . وقد اختلفوا في هذا القسم الثالث ; ومثال القسمين الأولين ظاهر ، ومثال القسم الثالث يوجب الطواف وينهى عن إيقاعه مع الحدث ، أو يأمر بالصوم وينهى عن إيقاعه في يوم النحر .

فيقال : الصوم من حيث إنه صوم مشروع مطلوب ومن حيث إنه واقع في هذا اليوم غير مشروع ، والطواف مشروع بقوله تعالى : { وليطوفوا بالبيت العتيق } ، ولكن وقوعه في حالة الحدث مكروه . والبيع من حيث إنه بيع مشروع ولكن من حيث وقوعه مقترنا بشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويات مكروه ، والطلاق من حيث إنه طلاق مشروع ولكن من حيث وقوعه في الحيض مكروه ، وحراثة الولد من حيث إنها حراثة مشروعة ولكنها من حيث وقوعها في غير المنكوحة مكروهة ، والسفر من حيث إنه سفر مشروع ولكن من حيث قصد الإباق به عن السيد غير مشروع ، فجعل أبو حنيفة هذا قسما ثالثا ، وزعم أن ذلك يوجب فساد الوصف لا انتفاء الأصل ; لأنه راجع إلى الوصف لا إلى الأصل والشافعي رحمه الله ألحق هذا بكراهة الأصل ولم يجعله قسما ثالثا ، وحيث نفذ الطلاق في الحيض صرف النهي عن أصله ووصفه إلى تطويل العدة أو لحوق الندم عند الشك في الولد وأبو حنيفة حيث أبطل صلاة المحدث دون طواف المحدث زعم أن الدليل قد دل على كون الطهارة شرطا في الصلاة ، فإنه قال عليه الصلاة والسلام : { لا صلاة إلا بطهور } فهو نفي للصلاة لا نهي وفي المسألة نظران

أحدهما : في موجب مطلق النهي من حيث اللفظ وذلك نظر في مقتضى الصيغة ، وهو بحث لغوي نذكره في كتاب الأوامر والنواهي .

والنظر الثاني نظر في تضاد هذه الأوصاف وما يعقل اجتماعه وما لا يعقل إذا وقع التصريح به من القائل ، وهو أنه هل يعقل أن يقول السيد لعبده أنا آمرك بالخياطة وأنهاك عنها ؟ ولا شك في أن ذلك لا يعقل منه ، فإنه فيه يكون الشيء الواحد مطلوبا مكروها . ويعقل منه أن يقول أنا أطلب منك الخياطة وأكره دخول هذه الدار والكون فيها ، ولا يتعرض في النهي للخياطة ; وذلك معقول . وإذا خاط في تلك الدار أتى بمطلوبه ومكروهه جميعا . وهل يعقل أن يقول : أطلب منك الخياطة وأنهاك عن إيقاعها في وقت الزوال ؟ فإذا خاط في وقت الزوال فهل جمع بين المكروه والمطلوب أو ما أتى بالمطلوب ؟ هذا في محل النظر ، والصحيح أنه ما أتى بالمطلوب ، وأن المكروه هو الخياطة الواقعة وقت الزوال لا الوقوع في وقت الزوال مع بقاء الخياطة مطلوبة إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الواقع .

فإن قيل : فلم صحت الصلاة في أوقات الكراهة ولم صحت الصلاة الواقعة في الأماكن السبعة من بطن الوادي وأعطان الإبل ؟ وما الفرق بينهما وبين النهي عن صوم يوم النحر ؟ قلنا من صحح هذه الصلوات لزمه صرف النهي عن أصل الصلاة ووصفها إلى غيره . وقد اختلفوا في انعقاد الصلاة في الأوقات المكروهة لترددهم في أن النهي نهي عن إيقاع الصلاة من حيث إنه إيقاع صلاة أو من أمر آخر مقترن [ ص: 65 ] به وأما صوم يوم النحر . فقطع الشافعي رحمه الله ببطلانه ; لأنه لم يظهر انصراف النهي عن عينه ووصفه ولم يرتض قولهم إنه نهي عنه ; لما فيه من ترك إجابة الدعوة بالأكل ، فإن الأكل ضد الصوم ، فكيف يقال له كل أي أجب الدعوة ولا تأكل أي صم ؟ والآن تفصيل هذه المسائل ليس على الأصولي بل هو موكول إلى نظر المجتهدين في الفروع ، وليس على الأصولي إلا حصر هذه الأقسام الثلاثة وبيان حكمها في التضاد وعدم التضاد .

وأما النظر في آحاد المسائل أنها من أي قسم هي فإلى المجتهد ، وقد يعلم ذلك بدليل قاطع ، وقد يعلم ذلك بظن . وليس على الأصولي شيء من ذلك . وتمام النظر في هذا ببيان أن النهي المطلق يقتضي من هذه الأقسام أيها وأنه يقتضي كون المنهي عنه مكروها لذاته أو لغيره أو لصفته ، وسيأتي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث