الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 315 ] كتاب الغصب الغصب في اللغة : أخذ الشيء من الغير على سبيل التغلب للاستعمال فيه [ ص: 316 ] وفي الشريعة : أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده . [ ص: 317 - 318 ] حتى كان استخدام العبد وحمل الدابة غصبا دون الجلوس على البساط ، ثم إن كان مع العلم فحكمه المأثم والمغرم ، وإن كان بدونه فالضمان ; لأنه حق العبد فلا يتوقف على قصده ولا إثم ; لأن الخطأ موضوع .

التالي السابق


( كتاب الغصب )

إيراد الغصب بعد الإذن في التجارة لوجهين : أحدهما أن الغصب من أنواع التجارة مآلا حتى أن إقرار المأذون لما صح بديون التجارة دون غيرها صح بدين الغصب ، ولم يصح بدين المهر لكون الأول من التجارة دون الثاني فكان ذكر النوع بعد [ ص: 316 ] ذكر الجنس مناسبا . والثاني أن المغصوب ما دام قائما بعينه في يد الغاصب لا يكون الغاصب مالكا لرقبته فصار كالعبد المأذون فإنه غير مالك لرقبة ما في يده من أموال التجارة وإن كان يتصرف فيه تصرف الملاك ، فذكر أحد المتجانسين متصلا بالآخر من المناسبة إلا أنه قدم الإذن في التجارة ; لأنه مشروع من كل وجه والغصب ليس بمشروع ، كذا في النهاية والعناية .

أقول : في الوجه الأول بحث من وجهين : أحدهما أن كون الغصب من أنواع التجارة مآلا إنما يفيد المناسبة بين الغصب وبين جنس التجارة لا بين الغصب وبين الإذن في التجارة ; لأن الإذن نفسه ليس من جنس التجارة قط بل هو فك الحجر وإسقاط الحق عندنا على ما مر في صدر كتاب المأذون ، والمذكور في كتاب المأذون مسائل نفس الإذن لا مسائل جنس التجارة فلا يتم التقريب . والثاني أن مناسبة ذكر النوع بعد ذكر الجنس متحققة في سائر أنواع التجارة أيضا فينتقض ذاك الوجه بها طردا . ويمكن أن يجاب عن كل منهما بنوع عناية : أما عن الأول فبأن يقال : إن الإذن نفسه وإن لم يكن من جنس التجارة إلا أنه متعلق بجنس التجارة ومخصوص به فكان للغصب مناسبة للإذن نفسه أيضا بواسطة تعلقه بجنس التجارة .

وأما عن الثاني فبأن يدعي عدم لزوم الاطراد في وجوه المناسبات بين كتب هذا الفن . ويقال : إن هاتيك الوجوه مصححات لا مرجحات ألبتة فلا ضير في تحققها في غير ما سبقت له أيضا . ثم إن الأظهر في وجه المناسبة هاهنا ما ذكره صاحب غاية البيان حيث قال : وجه المناسبة بين الكتابين عندي أن المأذون يتصرف في الشيء بالإذن الشرعي والغاصب يتصرف لا بإذن شرعي فكان بينهما مناسبة المقابلة ، إلا أنه قدم كتاب المأذون ; لأنه مشروع والغصب ليس بمشروع ا هـ .

واعلم أن محاسن الغصب من حيث الأحكام لا من حيث الإقدام كما في الجنايات والديات ، فإن المقصود من بيان كتاب الغصب هو بيان حكمه المترتب عليه ; لأنه ليس في الغصب شيء من الإباحة فضلا عن الحسن والطاعة بل هو عدوان محض وظلم صرف ، كذا في النهاية وغيرها ( قوله وفي الشريعة أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده ) أقول : لا بد من أن يزاد على هذا التعريف قيدان : أحدهما قيد أو يقصر يده بأن يقال على وجه يزيل يده أو يقصر يده لئلا يخرج على تعريف الغصب في الشرع ما أخذه الغاصب من يد غير المالك ، كما إذا أخذه من يد المستأجر أو من يد المرتهن أو من يد المودع فإن الغاصب في هذه الصور وإن لم يزل يد المالك عن ماله بناء على عدم كونه في يده وقت الغصب وإزالة فرع تحققها إلا أنه قصر يده عن ماله في هاتيك الصور أيضا .

وعن هذا قال في المحيط البرهاني : الغصب شرعا أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك إن كان في يده ، أو يقصر يده إن لم يكن في يده ا هـ . وهكذا قال في الكافي أيضا ، وثانيهما قيد على سبيل المجاهرة كما وقع في البدائع لئلا يدخل في تعريف الغصب شريعة السرقة ، فإن الامتياز بين السرقة والغصب في الشرع إنما يكون بأن كان الغصب [ ص: 317 ] على سبيل الجهار والسرقة على سبيل الخفية والاستسرار مع الاشتراك بينهما في جميع ما ذكر لتعريف الغصب شريعة في الكتاب . ثم اعلم أن صدر الشريعة قد تنبه للزوم زيادة القيد الثاني على هذا التعريف حيث قال في شرح الوقاية : ثم لا بد أن يزاد على هذا التعريف لا على سبيل الخفية لتخرج السرقة ا هـ .

ورد عليه صاحب الإصلاح والإيضاح حيث قال : فإن قلت : أليس يصدق الحد المذكور على السرقة ؟ قلت : نعم ، إلا أن في السرقة خصوصية بها كانت من جملة أسباب الحد فدخل مسائلها باعتبار تلك الخصوصية في الحدود ، وذلك لا ينافي دخولها باعتبار أصلها في الغصب كالشراء من الفضولي فإنه غصب مع أنه مذكور في باب الفضولي من كتاب البيوع باعتبار ما فيه من خصوصية بها صارت من مسائلها ، ومن ذهب عليه هذه الدقيقة تصدى لإخراجها على الحد المذكور بزيادة قوله لا على سبيل الخفية ، ولم يدر أنه حينئذ يخرج عنه بعض أفراد الغصب كأخذ مال غير محرز على سبيل الخفية ، إلى هنا كلامه .

أقول : فيه خلل من وجوه : الأول أن السرقة بخصوصيتها التي كانت من جملة أسباب الحد داخلة في التعريف المذكور ، إذ لا منع لشيء من خصوصيتها عن صدق التعريف المذكور عليها كما لا يخفى على ذي فطنة ، وإنما تكون خصوصيتها مانعة عند صدق تعريف الغصب عليها لو زيد على التعريف المذكور قيد على سبيل المجاهرة أو لا على سبيل الخفية ، فإن من خصوصيتها أن تكون على سبيل الخفية كما تقرر في كتابها ، ولا شك أن قيد على سبيل المجاهرة أو لا على سبيل الخفية ينافي الصدق على ما كان على سبيل الخفية ، فإذا كانت السرقة بخصوصيتها التي كانت من جملة أسباب الحد داخلة في التعريف المذكور لم يكن ذلك التعريف صالحا لأن يكون حدا للغصب في الشرع ، وإلا لزم أن تكون السرقة بخصوصيتها غصبا شرعيا ، وليس كذلك لا محالة للقطع بتخالف حكمي السرقة والغصب في الشرع فلغا قوله وذلك لا ينافي دخولهما باعتبار أصلهما بالغصب كما لا يخفى .

والثاني : أن قوله كالشراء من الفضولي فإنه غصب مع أنه مذكور في باب الفضولي من كتاب البيوع ليس بسديد ; لأن مجرد الشراء من الفضولي ليس بغصب قطعا ، وإنما الذي يصير غصبا أخذ المشتري من يد الفضولي بغير إذن المالك ، وهو ليس ببيع جزما وليس بمذكور في كتاب البيوع أصلا ، وإنما المذكور فيه نفس الشراء من الفضولي فلا صحة في التمثيل ولا في التعليل . والثالث أن قوله كأخذ مال غير محرز على سبيل الخفية في قوله ولم يدر أنه حينئذ يخرج عنه بعض أفراد الغصب كأخذ مال غير محرز على سبيل الخفية ليس بصحيح ; لأن ما كان غير محرز كيف يتصور أخذه على سبيل الخفية ، فإن عدم الإحراز ينافي الاختفاء ، وعن هذا قال صاحب الهداية في فصل الحرز والأخذ منه من كتاب السرقة : الحرز لا بد منه ; لأن الاستسرار لا يتحقق بدونه ا هـ . ثم إن صاحب الإصلاح والإيضاح غير التعريف المذكور بوجه آخر حيث قال بدل قولهم بغير إذن المالك : بلا إذن من له الإذن .

وقال في شرحه : وإنما لم يقل بلا إذن مالكه ; لأن كون المأخوذ ملكا ليس بشرط لوجوب الضمان ، فإن الموقوف مضمون بالإتلاف وليس بمملوك أصلا صرح به في البدائع ا هـ . أقول : وفيه أيضا خلل ; لأن الوقف في الشرع عند أبي حنيفة حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة بمنزلة العارية ، وعندهما حبس العين على حكم ملك الله تعالى فيزول ملك الواقف إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته إلى العباد ، وهذا كله مما تقرر في أول كتاب الوقف فعلى كلا القولين يكون الموقوف مملوكا فكيف يتم قوله إن الموقوف ليس بمملوك أصلا ، ولئن سلم تمام ذلك فكون الموقوف مضمونا لا يقتضي كونه مغصوبا شرعيا ، فإن وجوب الضمان ليس بحكم مخصوص بالغصب الشرعي ، بل يتحقق ذلك في غيره أيضا بنوع من التعدي والجناية ; ألا يرى أن زوائد المغصوب كولد المغصوبة ، وثمرة البستان المغصوب ليس بمغصوبة عندنا شرعا لعدم تحقق إزالة يد المالك عنها بناء على أن يد المالك كانت ثابتة عليها حتى يزيلها الغاصب ، بل هي أمانة في يد الغاصب إن هلكت لا يضمنها عندنا كما صرحوا به قاطبة وسيجيء في الكتاب ، مع [ ص: 318 ] أنه إذا تعدى فيها يجب عليه الضمان بالاتفاق على ما صرحوا به قاطبة أيضا وسيجيء في الكتاب ، وكذا إذا قتل رجل عبد رجل خطأ في يد مالكه يجب عليه ضمان قيمة العبد بلا خلاف مع أن ذلك ليس بغصب في الشرع عند أحد . وبالجملة فرق بين ضمان الغصب وضمان الإتلاف كما نصوا عليه ، فمن أين ثبت تحقق حقيقة الغصب الشرعي في إتلاف الموقوف حتى يرد به النقض على ما ذكره ثقات المشايخ في تعريف الغصب فيحتاج إلى تغييره ؟

( قوله حتى كان استخدام العبد وحمل الدابة غصبا دون الجلوس على البساط ) ; لأنه بالاستخدام والحمل أثبت يد التصرف عليه ، ومن ضروراته إزالة يد المالك عنه فتحقق الغصب . بخلاف الجلوس على البساط ; لأن البسط فعل المالك وقد بقي أثر فعله في الاستعمال وما بقي أثر فعله تبقى يده ، فلم يوجد إزالة يد المالك فلم يتحقق الغصب ، كذا قالوا . قال ابن العز : وفي كلام المصنف هاهنا مؤاخذة لفظية ، وهي في قوله وحمل الدابة : يعني والحمل عليها وحقه أن يقول وتحميل الدابة ; لأن حمل لا يتعدى بنفسه إلى اثنين وإنما يتعدى بنفسه إلى واحد وإلى آخر بحرف الجر ، تقول حملت المتاع على الدابة فيصح إضافة المصدر منه إلى المتاع لا إلى الدابة فتقول : حمل المتاع ولا تقول حمل الدابة ، إلا أن يضعف الفعل فيتعدى إلى اثنين بنفسه فتقول : حملت الدابة المتاع ، فحينئذ تصح إضافة مصدره إلى الدابة فتقول تحميل الدابة ; لأن التحميل مصدر حمل المضعف للتعدية ا هـ كلامه .

أقول : هذا الذي ذكره ظاهر ، وكأن صاحب الكافي عن هذا غير عبارة المصنف هاهنا فقال : حتى كان استخدام عبد الغير والحمل على دابة الغير غصبا ، ولكن يمكن توجيه كلام المصنف هاهنا بما وجه به الفاضل الشريف في شرح المفتاح قول العلامة الكاكي افتخارا بمواظبتها حيث قال : والأصل أن يقال بالمواظبة عليها : أي على العبادة ، إلا أنه نزع الخافض وعدى المصدر بالإيصال ا هـ . وقصد به الجواب عن قول المحقق التفتازاني هناك ، وفي تعدية المواظبة بنفسها نظر ، والصواب بالمواظبة عليها ا هـ تأمل ( قوله ثم إن كان مع العلم فحكمه المأثم والمغرم ، وإن كان بدونه فالضمان ) أقول : هذا إنما يتم فيما إذا هلك المغصوب في يد الغاصب ، وأما إذا كان قائما في يده فحكمه رد العين كما سيأتي في الكتاب ، وكان المناسب بهذا المقام بيان حكمه الكلي دون حكمه الخاص بصورة الهلاك ، اللهم إلا أن يبني كلامه هنا على ما قيل إن الموجب الأصلي للغصب مطلقا هو القيمة ورد العين مخلص كما سيجيء ذكره ، ولكنه قول ضعيف جدا على ما يدل عليه تقرير المصنف فيما بعد وصرحوا به في الشروح ثم ، فكيف يليق بمثل المصنف بناء [ ص: 319 ] كلامه على ذلك

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث