الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من أدوات المعاني إنما

جزء التالي صفحة
السابق

إنما : والكلام فيها في مواضع : الأول : هل هي تفيد الحصر أو لا ؟ قولان . وإذا قلنا : تفيده ، فهل هو بالمنطوق يعني أنها وضعت للإثبات والنفي معا أي : لإثبات المذكور ونفي ما عداه أو للإثبات خاصة وللنفي بطريق المفهوم ؟ قولان . وبالأول قال القاضي أبو حامد المروذي فيما حكاه الشيخ أبو إسحاق في التبصرة " قال : مع نفيه القول بدليل الخطاب لكن الماوردي في أقضية الحاوي " نقل عن أبي حامد المروروذي وابن سريج أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل من الاحتمال . وبالثاني قال القاضي والغزالي وذكراه في بحث المفاهيم ، وقال سليم الرازي في التقريب " : إنه الصحيح .

[ ص: 237 ] وقال ابن الخوبي : هذا الخلاف مبني على أن الاستثناء من النفي إثبات أم لا ؟ فإن قلنا : إنه إثبات فالحصر ثابت بالمنطوق ، وإلا فهو من طريق المفهوم ، وهذا الكلام يقتضي جريان هذا الخلاف في " ما " و " إلا " وهو بعيد ، والقول بأنها لا تفيده أصلا هو رأي الآمدي ، وإنما يفيد تأكيد الإثبات وبه يشعر كلام إمام الحرمين في البرهان " حيث قال : فأما ما ليس له معنى ، فما الكافة تعمل ما يعمل دونها تقول : إن زيدا منطلق ، وإنما زيد منطلق . وحكاه ابن الفارض المعتزلي في النكت " عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم . قال : وهو يحكى عن أهل اللغة . ونصره ابن برهان النحوي في شرح اللمع " واختاره الشيخ أبو حيان . واشتد نكيره على من خالفه ، ونقله عن البصريين . ونقل الغزالي عن القاضي أنه ظاهر في الحصر ، ويحتمل التأكيد ثم قال : وهو المختار ، ووافقه إلكيا ، والذي في التقريب " للقاضي أنها محتملة لتأكيد الإثبات ومحتملة للحصر ، وزعم أن العرب استعملتها لكل من الأمرين ، ثم قال : ولا يبعد أن يقال : إنها ظاهرة في الحصر . وأنكر ابن الحاج في تعليقه على المستصفى " والعبدري في شرحه " إفادتها الحصر وقالا : إنه غير معروف في اللغة : وإنما معناه الاقتصار على الشيء .

قال ابن السيد : قال نحاة البصرة : معناها الاقتصار كقولك : إنما زيد شجاع ، لمن ادعى له غير ذلك من الصفات ، والتحقير كقولك : إنما وهبت درهما ، لمن يزعم أنه وهب أكثر من ذلك ، وهذا راجع إلى الاقتصار . وقد يستعمل في رد النفي إلى حقيقته إذا وصف بما لا يليق به ، كقوله تعالى : { إنما الله إله واحد } { إنما أنا بشر مثلكم } .

[ ص: 238 ] وهو راجع للأول . قالا : فإن أراد القاضي بالحصر الاقتصار فقد أصاب ، وإلا ففيه نظر . وتابعهما الشيخ أبو حيان في إنكار إفادتها الحصر ، وقال : إنه معروف في اللغة وهو عجيب ، فقد حكاه ابن السيد في الاقتضاب " عن الكوفيين . فقال : وذكر الكوفيون أنها تستعمل بمعنى النفي ، واحتجوا بقول الفرزدق :

. وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

ومعناه ما يدافع إلا أنا أو مثلي هذا كلامه . وفي الزاهر " للأزهري عن أهل اللغة أنها تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره ، وقال صاحب البرهان " : قال أبو إسحاق الزجاج : والذي أختاره في قوله تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة } أن تكون " ما " هي التي تمنع " إن " من العمل ، ويكون المعنى : ما حرم عليكم إلا الميتة ; لأن " إنما " تأتي لإثبات ما بعدها ونفي ما عداه .

وقال أبو علي في الشيرازيات " يقول ناس من النحويين { إنما حرم ربي الفواحش } المعنى : ما حرم إلا الفواحش ، قال : وأجيب ما يدل على صحة القول في ذلك ، وهو قول الفرزدق .

. وإنما     يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

وعزاه ابن السيد للكوفيين ، ولم يعنوا بذلك أنهما بمنزلة المترادفين فإنه [ ص: 239 ] يمتنع إيقاع كل منها موضع الآخر على الإطلاق . انتهى . وممن ذكر أنهما للحصر الرماني عند تفسير قوله تعالى : { إنما يستجيب الذين يسمعون } فقال : إنما تفيد تخصيص المذكور بالصفة دون غيره بخلاف " إن " كقولك : إن الأنبياء في الجنة ، فلا تمنع هذه الصيغة أن يكون غيرهم فيها كما منع إنما هم في الجنة . انتهى .

وكذا قال الزمخشري عند قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } وكذا ابن عطية في غير موضع ، وقال ابن فارس : سمعت علي بن إبراهيم القطان يقول : سمعت ثعلبا يقول : سمعت سلمة يقول : سمعت الفراء يقول : إذا قلت : إنما قمت ، فقد نفيت عن نفسك كل فعل إلا القيام ، وإذا قلت : إنما قام أنا ، فقد نفيت القيام عن كل أحد وأثبته لنفسك . قال الفراء : ولا يكون ابتداء إلا ردا على أمر ، ولا يكون ابتداء كلام . قال ابن فارس : والذي قاله الفراء صحيح وحجته : { إنما الولاء لمن أعتق } . قلت : ينبغي أن يكون الرد لأمر محقق أو مقدر ، وإلا لورد عليه { إنما الأعمال بالنيات } ونحوه . [ ص: 240 ] من أحسن ما يستدل به أنها للحصر : قوله تعالى : { إنما يتقبل الله من المتقين } ; لأنه لم يتقبل من أخيه ، فلو كان يتقبل من غير المتقين لم يجز الرد على الأخ بذلك ، ولو كان المانع من عدم القبول فوات معنى في المتقرب به لا في الفاعل لم يحسن ذلك ، فكأنه قال : استوينا في الفعل وانحصر القبول في بعلة التقوى ، وكذلك قوله تعالى : { وإن تولوا فإنما عليك البلاغ } فإنها لو لم تكن للحصر لكان بمنزلة قولك : فإن تولوا فعليك البلاغ ، وهو عليه البلاغ تولوا أم لا ، وإنما الذي رتب على توليهم نفي غير البلاغ ليكون تسلية له أن توليهم لا يضره ، وهكذا أمثال هذه الآية مما يقطع الناظر بفهم الحصر ، كقوله تعالى : { أنما إلهكم إله واحد } { إنما الله إله واحد } { إنما أنت منذر } { إنما أنت نذير } { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } { إنما مثل الحياة الدنيا } { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } { إنما البيع مثل الربا } { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } { إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء } { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله } { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } { إنما الآيات عند الله } وقوله تعالى .

[ ص: 241 ] { إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين } { قل إنما يأتيكم به الله إن شاء } { قل إنما علمها عند ربي } فإنه إنما يحصل بها مطابقة الجواب إذا كانت " إنما " للحصر ، ليكون معناها لا آتيكم إنما يأتي به الله ، ولا أعلمها إنما يعلمها الله ، وقوله : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } قال ابن فارس : وزعم بعضهم مجيئها للتحقير تقول : إنما أنا بشر محقرا لنفسك ، ورده بقوله تعالى : { إنما الله إله واحد } وحكى ابن بابشاذ عن بعض النحاة أنها تجيء للتعليل ، واحتج بقول سيبويه : إنما سرت حتى أدخلها أنك إذا بيت السير وقيل : تجيء للتأكيد نحو إنما الرجل زيد . قال ابن دقيق العيد : والأقرب أنها فيه للحصر المجازي ، أو بجعل المجاز في الألف واللام التي في الرجل بأن يستعمل للكمال ويحصر الكمال فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث