الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثالث فيمن يصح فيه الظهار

الفصل الثالث فيمن يصح فيه الظهار .

واتفقوا على لزوم الظهار من الزوجة التي في العصمة ، واختلفوا في الظهار من الأمة ، ومن التي في غير العصمة ، وكذلك اختلفوا في ظهار المرأة من الرجل .

فأما الظهار من الأمة : فقال مالك ، والثوري ، وجماعة : الظهار منها لازم كالظهار من الزوجة الحرة ، وكذلك المدبرة وأم الولد ; وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وأبو ثور : لا ظهار من أمة; وقال الأوزاعي : إن كان يطأ أمته فهو منها مظاهر ، وإن لم يطأها فهي يمين ، وفيها كفارة يمين; وقال عطاء : هو مظاهر لكن عليه نصف كفارة .

فدليل من أوقع ظهار الأمة عموم قوله تعالى : ( والذين يظاهرون من نسائهم ) والإماء من النساء .

وحجة من لم يجعله ظهارا أنهم قد أجمعوا أن النساء في قوله تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) ، هن ذوات الأزواج ، فكذلك اسم النساء في آية الظهار .

فسبب الخلاف معارضة قياس الشبه للعموم ( أعني : تشبيه الظهار بالإيلاء ، وعموم لفظ النساء ، أعني : أن عموم اللفظ يقتضي دخول الإماء في الظهار ، وتشبيهه بالإيلاء يقتضي خروجهن من الظهار ) .

وأما هل من شرط الظهار كون المظاهر منها في العصمة أم لا ؟ فمذهب مالك أن ذلك ليس من شرطه ، وأن من عين امرأة ما بعينها وظاهر منها بشرط التزويج كان مظاهرا منها ، وكذلك إن لم يعين ، وقال : كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي ، وذلك بخلاف الطلاق . وبقول مالك في الظهار قال أبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي .

وقال قائلون : لا يلزم الظهار إلا فيما يملك الرجل ، وممن قال بهذا القول : الشافعي ، وأبو ثور ، وداود .

وفرق قوم ، فقالوا : إن أطلق لم يلزمه ظهار وهو أن يقول : كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي ، فإن قيد لزمه وهو أن يقول : إن تزوجت فلانة أو سمى قرية أو قبيلة ، وقائل هذا القول هو ابن أبي ليلى ، والحسن بن حيي .

ودليل الفريق الأول قوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) ؛ ولأنه عقد على شرط الملك فأشبه إذا ملك ، والمؤمنون عند شروطهم ، وهو قول عمر .

وأما حجة الشافعي فحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " لا طلاق إلا فيما يملك ، ولا عتق إلا فيما يملك ، ولا بيع إلا فيما يملك ، ولا وفاء بنذر إلا فيما يملك " خرجه أبو داود ، والترمذي ، والظهار شبيه بالطلاق ، وهو قول ابن عباس .

وأما الذين فرقوا بين التعميم والتعيين ، فإنهم رأوا أن التعميم في الظهار من باب الحرج ، وقد قال الله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) .

[ ص: 483 ] واختلفوا أيضا من هذا الباب في : هل تظاهر المرأة من الرجل ؟ فعن العلماء في ثلاثة أقوال : أشهرها أنه لا يكون منها ظهار ، وهو قول مالك ، والشافعي . والثاني أن عليها كفارة يمين . والثالث أن عليها كفارة الظهار . ومعتمد الجمهور تشبيه الظهار بالطلاق ، ومن ألزم المرأة الظهار فتشبيها للظهار باليمين; ومن فرق فلأنه رأى أن أقل اللازم لها في ذلك المعنى هو كفارة يمين وهو ضعيف . وسبب الخلاف تعارض الأشباه في هذا المعنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث