الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل منزلة اللحظ

ومن ذلك : منزلة اللحظ

قال شيخ الإسلام :

( باب اللحظ ) قال الله تعالى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .

قلت : يريد - والله أعلم - بالاستشهاد بالآية : أن الله سبحانه أراد أن يري موسى - صلى الله عليه وسلم - من كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أن القوة البشرية في هذه الدار لا تثبت لرؤيته ومشاهدته عيانا . لصيرورة الجبل دكا عند تجلي ربه سبحانه أدنى تجل .

كما رواه ابن جرير في تفسيره من حديث حماد بن سلمة : أخبرنا ثابت عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال حماد : هكذا - ووضع الإبهام علىمفصل الخنصر الأيمن - فقال حميد لثابت : أتحدثبمثلي هذا ؟ فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده . وقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث به ، وأنا لا أحدث به ؟ رواه الحاكم في [ ص: 100 ] صحيحه وقال : هو على شرط مسلم . وهو كما قال .

والمقصود : أن الشيخ استشهد بهذه الآية في باب اللحظ لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينظر إلى الجبل حين تجلى له ربه . فرأى أثر التجلي في الجبل دكا . فخر موسى صعقا .

قال الشيخ : " اللحظ : لمحمسترق " الصواب قراءة هذه الكلمة على الصفة بالتخفيف . فوصف اللمح بأنهمسترق كما يقال : سارقته النظر . وهو لمح بخفية ، بحيث لا يشعر به الملموح .

ولهذاالاستراق أسباب . منها : تعظيم الملموح وإجلاله . فالناظريسارقه النظر . ولا يحد نظره إليه إجلالا له . كما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحدون النظر إليه إجلالا له . وقال عمرو بن العاص لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له . ولو سئلت أن أصفه لكم لما قدرت . لأني لم أكن أملأ عيني منه .

ومنها : خوف اللامح سطوته . ومنها محبته . ومنها الحياء منه . ومنها ضعف القوة الباصرة عن التحديق فيه . وهذا السبب هو السبب الغالب في هذا الباب .

ويجوز أن تقرأ بكسر الراء وتشديد القاف . أي نظرا يسترق صاحبه . أي يأسر قلبه ويجعله رقيقا - أي عبدا مملوكا للمنظور إليه - لما شاهد من جماله وكماله ، فاسترق قلبه . فلم يكن بينه وبين رقه له إلا مجرد وقوع لحظه عليه .

فهكذا صاحب هذه الحال إذا لاحظ بقلبه جلال الربوبية . وكمال الرب سبحانه ، وكمال نعوته ، ومواقع لطفه وفضله وبره وإحسانه : استرق قلبه له وصارت له عبودية خاصة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث