الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الصلاة تشتمل على أفعال ، وأذكار

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " ويفعلون مثل فعله إلا أنه أسر قرأ من خلفه وإذا جهر لم يقرأ من خلفه " قال المزني ، " رحمه الله : قد روى أصحابنا عن الشافعي أنه قال يقرأ من خلفه وإن جهر بأم القرآن ( قال ) محمد بن عاصم وإبراهيم يقولان : سمعنا الربيع يقول : ( قال الشافعي ) : يقرأ خلف الإمام جهر أو لم يجهر بأم القرآن قال محمد وسمعت الربيع [ ص: 141 ] يقول : ( قال الشافعي ) : ومن أحسن أقل من سبع آيات من القرآن قام أو صلى منفردا ردد بعض الآي حتى يقرأ به سبع آيات فإن لم يفعل لم أر عليه يعني إعادة . ( قال الشافعي ) : وإن كان وحده لم أكره أن يطيل ذكر الله وتمجيده والدعاء رجاء الإجابة "

قال الماوردي : هذا كما قال اعلم أن الصلاة تشتمل على أفعال ، وأذكار ، أما الأفعال فواجب على المأموم اتباع إمامه فيها لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به فأما الأذكار فتنقسم ثلاثة أقسام : قسم يتبع إمامه فيه ، وهو التكبير ، والتوجه ، والتسبيح ، والتشهد ، وقسم لا يتبع إمامه فيه ، وهو في السورة بعد الفاتحة في صلاة الجهر فينصت المأموم لها ولا يقرؤها ، وقسم مختلف فيه وهو قراءة الفاتحة ، فإن كانت صلاة إسرار وجب على المأموم أن يقرأ بها خلف إمامه ، وإن كانت صلاة جهر فهل يجب أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : قاله في القديم ، وبعض الجديد لا يلزمه أن يقرأ بها خلفه في صلاة الجهر ، وإن لزمه في صلاة الإسرار ، وهو في الصحابة قول عائشة ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن الزبير ، رضي الله عنهم ، وفي التابعين قول عمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وفي الفقهاء قول مالك ، وأحمد

والقول الثاني : قاله في الجديد والإملاء ، وهو الصحيح من مذهبه أن عليه أن يقرأ خلف الإمام في صلاة الإسرار والجهر جميعا ، وبه قال من الصحابة : عمر وأبي بن كعب ، وأبو سعيد الخدري ، وأبو عبادة بن الصامت ، رضي الله عنهم ، ومن التابعين سعيد بن جبير ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، والحسن البصري ، ومن الفقهاء الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وقال أبو حنيفة : لا يقرأ خلف إمامه بحال لا في صلاة الجهر ، ولا في صلاة الإسرار ، وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، رضي الله عنهم ، ومن التابعين الأسود ، وعلقمة ، وابن سيرين ، ومن الفقهاء الثوري : استدلالا بقوله سبحانه : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [ الأعراف : 204 ] . والقراءة تمنع مما أمر به من الإنصات

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ، : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا فكان أمره بالإنصات نهيا عن القراءة

وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فقرأ رجل خلفه فنهاه آخر فلما فرغا [ ص: 142 ] من الصلاة تنازعا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة وروى علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أأقرأ ؟ فقال : " ألا يكفيك قراءة الإمام وروى عمران بن الحصين : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام ، قال : ولأنها ركعة أتى بها على سبيل الاقتداء فوجب أن لا يلزمه فيها قراءة ، أصله إذا أدركه راكعا ، ولأنه لو لزمه القراءة لجهر بها كالإمام

والدليل على وجوب القراءة خلف الإمام رواية مكحول ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن الصامت : قال : كنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر ، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة ، فلما فرغ قال : لعلكم تقرؤون خلف إمامكم . قلنا : نعم يا رسول الله . قال : لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وروى أنس بن مالك قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد العشاءين فقرأ بعضهم خلفه ، فلما فرغ قال : فيكم من قرأ خلفي . فقال بعضهم أنا . فقال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها وروى سلمان الفارسي قال : قلت : يا رسول الله ، قرأت خلفك فقال : " يا فارسي لا تقرأ خلفي إلا بفاتحة الكتاب لأن من ساوى الإمام في إدراك الركن ساواه في إلزامه كالركوع ، ولأن من لزمه القيام بقدر القراءة لزمته القراءة مع الإمكان كالمنفرد ، ولأن من أدرك محل الفرض لزمه الفرض كالصلاة تلزمه بإدراك الوقت

فأما الجواب عن الآية فمن وجوه :

أحدها : أنها نزلت في الخطبة ، وهو قول عائشة ، رضي الله عنها ، وعطاء

والثاني : أن المراد بها ترك الجهر ، وهو محكي عن أبي هريرة

والثالث : قاله ابن مسعود قال : كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة سلام على [ ص: 143 ] فلان ، سلام على فلان ، فجاء القرآن : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا [ الأعراف : 204 ] ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم وإذا قرأ فأنصتوا . فيحمل على أحد أمرين ، إما على ترك الجهر ، وإما على ترك السورة بعد الفاتحة ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم بعد الفاتحة ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ففيه جوابان :

أحدهما : أن الكناية في قوله : " له " راجعة إلى الإمام دون المأموم ، لأنه أقرب مذكور

والثاني : أنه يحمل على ما عدا الفاتحة ، وإذا أدركه راكعا ، وكذا الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : "يكفيك قراءة الإمام "

وأما حديث عمران أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام ، فيحمل على أحد أمرين ، إما على النهي عن الجهر ، وإما على النهي عن السورة ليصح استعمال الأخبار كلها

وأما قياسهم عليه إذا أدركه راكعا فلا يصح ، لأن ذلك مدرك بعض ركعة وإن جعله الشرع نائبا عن ركعة لا سنة على أن المعنى فيمن أدركه راكعا أنه لما لم يدرك محل القراءة لم تلزمه القراءة ، وأما ترك الجهر فلا يدل على ترك الأصل كالتكبيرات يجهر بها الإمام ، وإن لم يجهر بها المأموم ، فإذا ثبت أن أصح القولين وجوب القراءة على المأموم ، فيختار له أن يقرأ عند فراغ الإمام منها ، لأنه مأمور بسكتة بعدها ليقرأ المأموم فيها

روى سمرة بن جندب قال : حفظت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتة بعد التكبير وسكتة بعد أم القرآن

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث