الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب الرضا يثاب عليه ويزيد في الرزق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : الرضا يثاب عليه ويزيد في الرزق .

( وارض ) أنت ( بقسمه ) لك فإنه حكيم عليم ، والحكيم يضع الأشياء في مواضعها .

فمن عباده من لم يصلحه إلا الفقر ولو أغناه لفسد عليه دينه ، ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى ، ولو أفقره لفسد عليه دينه ، وكذلك الصحة والسقم ونفوذ الكلمة وعدمه وغير ذلك ، فمهما قسمه لك من ذلك فكن به راضيا مطمئنا لا ساخطا ولا متلونا ، فإنه جل شأنه أشفق من الوالدة على ولدها .

ومن تمام حكمته وبديع قدرته أن جعل عباده ما بين غني وفقير ، وجليل وحقير ، وصغير وكبير ، ومستأجر وأجير ، ذلك تقدير العليم الخبير ، فإن سخطت شيئا من أقداره أهلكت نفسك وقطعتها حسرات على الدنيا ، ولم تنل منها إلا ما قسمه لك جل شأنه ، وإن ترض بقسمته لك من جميع الأشياء ( تثب ) ثواب الراضين على ذلك ، ويحصل لك الرضا الموعود به في قوله في الحديث { فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فعليه السخط } وتثبت لك حقيقة العبودية وتسلم من الإباق المتوعد به في قوله كما في بعض الأخبار القدسية { من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليعبد ربا سواي } .

قال في الفروع : وكان المروذي مع الإمام أحمد في العسكر في قصر فأشار إلى شيء على الجدار قد نصب ، فقال له أحمد : لا تنظر إليه ، قال قلت : فقد نظرت إليه ، قال : فلا تفعل .

قال وسمعته يقول : تفكرت في هذه الآية { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } ثم تفكرت في وفيهم وأشار نحو العسكر قال { ورزق ربك خير وأبقى } ، قال : رزق يوم بيوم خير .

قال : ولا تهتم لرزق غد . انتهى .

[ ص: 279 ] فإن فعلت كذلك ( و ) رضت نفسك على هذه الأخلاق ( تزد رزقا ) من الله سبحانه وتعالى فإنه يرزق عباده سيما الذين انسلخوا عن الحول والقوة ، وطرحوا على أبواب الرجاء والمنة ، فهم عليه متوكلون ، وإليه متضرعون ، وعلى أبوابه واقفون ، ولمنحه منتظرون ، فإن كنت منهم تزد رزقا ( و ) تزد ( إرغام ) أي ذل وبتك وإهانة ( حسد ) جمع حاسد .

وأصل الرغام التراب ، كأنك لشرف نفسك ورضاك بقسمة مولاك جعلت أنوف أعدائك ملصقة بالتراب ، والحاسد عدو نعم الله تعالى لأنه يطلب زوالها ممن نالها ، وهو من إساءة الأدب على غاية ، ولذا قيل شعر :

ألا قل لمن كان لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب


أسأت على الله في حكمه     لأنك لم ترض ما قد وهب


فجازاك ربي بأن زادني     وسد عليك وجوه الطلب

( تنبيه ) : قد تضمن بيت الناظم ثلاثة أشياء : الشكر ، والرضا ، وإرغام أهل الحسد ، وفي ضمن ذلك ذم الحسود .

فأما الرضا فهو من أعمال القلوب ، وهو إن كان كذلك فكماله هو الحمد ، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا ، ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على كل حال ، وذلك يتضمن الرضا بقضائه .

والرضا بالمصائب أشق على النفوس من الصبر ، وإن كان الصبر من أشق الأشياء على النفوس .

وفي جامع الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا أحب الله قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط } .

مطلب : الرضا بالقضاء هل هو واجب أو مستحب ؟

وقد تنازع علماؤنا وغيرهم الرضا بالقضاء ، هل هو واجب أو مستحب على قولين :

فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين .

وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين .

ذكره شيخ الإسلام رضي الله عنه .

فالعبد قد يصبر على المصيبة ، ولا يرضى .

فالرضا أعلى مقام الصبر ، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه ، والرضا اختلفوا في وجوبه ، والشكر أعلى من [ ص: 280 ] مقام الرضا ، فإنه يشهد المصيبة نعمة ، والمحنة منحة فيشكر المبلي عليها .

قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : أما الرضا فمنزلة عزيزة أو منيعة ، ولكن قد جعل الله في الصبر معولا حسنا .

وقال عبد الواحد بن زيد : الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، وسراج العابدين .

وقد روى ابن أبي الدنيا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { الصبر رضا } فهذا الحديث فيه بشارة عظيمة لأهل المصائب ; إذ سمى الصبر رضا ، ولعله مراد الناظم .

فإن قيل : غالب الناس يصبرون ولا يرضون ، فكيف يتصور الرضا بالمكروه ؟ فالجواب أن نفور الطبع عن المكروه لا ينافي رضا القلب بالمقدور ، فإنا نرضى عن الله ونرضى بقضائه وإن كرهنا المقضي .

وفي صيد الخاطر للإمام الحافظ ابن الجوزي طيب الله ثراه : الرضا من جملة ثمرات المعرفة ، فإذا عرفته رضيت بقضائه ، وقد يجري في ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي ، وأما العارف فتقل عنده المرارة لقوة حلاوة المعرفة ، فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة صارت مرارة الأقدار حلاوة كما قال القائل :

عذابه فيك عذب     وبعده فيك قرب


وأنت عندي كروحي     بل أنت منها أحب


حسبي من الحب أني     لما تحب أحب

وقال بعض المحبين في هذا المعنى :

ويقبح من سواك الفعل عندي     فتفعله فيحسن منك ذاكا

فإن قيل : بماذا أرضى قدر ربي ، أرضى في أقداره بالمرض والفقر ، أفأرضى بالكسل عن خدمته والبعد عن أهل الجنة ، فبين لي ما الذي يدخل تحت الرضا مما لا يدخل ؟ فقلت له : نعم ما سألت فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع وهو شهيد .

ارض بما منه .

فأما الكسل والتخلف فذاك منسوب إليك فلا ترض به من فعلك ، وكن مستوفيا حقه عليك مناقشا نفسك فيما يقربك منه غير [ ص: 281 ] راض عنها بالتواني في المجاهدة .

فأما ما يقدره من الأفضلية المجردة التي لا كسب لك فيها فكن راضيا بها . انتهى .

ملخصا والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث