الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أحكام قتل الحشرات وإحراقها وتعذيبها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 354 ] فصل ( أحكام قتل الحشرات وإحراقها وتعذيبها ) .

ويكره قتل النمل إلا من أذية شديدة فإنه يجوز قتلهن وقتل القمل بغير النار ويكره قتلهما بالنار ويكره قتل الضفادع ذكر ذلك في المستوعب .

وقال في الغنية كذلك وأنه لا يجوز سقي حيوان مؤذ وقال في الرعاية يكره قتل ما لا يضر من نمل ونحل وهدهد وصرد ويجوز تدخين الزنابير وتشميس القز ، ولا يقتل بنار نمل ولا قمل ولا برغوث ولا غيرها ولا يقتل ضفدع بحال وظاهره التحريم ومال صاحب النظم إلى أنه يحرم إحراق كل ذي روح بالنار وأنه يجوز إحراق ما يؤذي بلا كراهة إذا لم يزل ضرره دون مشقة غالبة إلا بالنار وقال إنه سئل عما ترجح عنده الشيخ شمس الدين صاحب الشرح فقال ما هو بعيد .

واستدل صاحب الشرح بالخبر الذي في الصحيحين ، أو صحيح البخاري { أن نبيا من الأنبياء نزل على قرية نمل فآذته نملة فأحرق القرية فأوحى الله تعالى إليه فهلا نملة واحدة } ويجاب من أوجه :

( أحدها ) : أنه خرج مخرج التوبيخ لا للإباحة بدليل إبهام النملة المؤذية وهو مانع بدليل إبهام حربي مستأمن في جماعة يحرم قتل الكل .

( الثاني ) : أنه شرع من قبلنا وقد ورد شرعنا بخلافه .

( الثالث ) : أنه يدل على أنه لا يحرم ولا ينفي الكراهة جمعا بينه وبين النهي .

( الرابع ) : أنه إن جعل دليلا للجواز دل عليه وإن لم توجد مشقة غالبة فاعتبارها يخالف الخبر .

واحتج صاحب النظم بالإجماع على جواز شي الجراد ، والسمك كذا قال ، والخلاف عندنا مع التفريق المذكور ليس في السمك ، والجراد قال وقد جوز الأصحاب إحراق نخل الكفار إذا كانوا يعملون ذلك في بلادنا لينتهوا فإذا جاز ذلك [ ص: 355 ] دفعا لضرر غيره المتوقع فجوازه دفعا لضرره الواقع أولى كذا قال فانتقل من نخل الكفار بالخاء المعجمة إلى الحاء المهملة وهو واضح قال وأجازوا أيضا تدخين الزنابير وتشميس القز ويجاب بأن هذا ليس تحريقا بالنار إنما هو تعذيب بغيرها ولهذا فرق أحمد بين التدخين ، والتحريق على ما يأتي وفي ترك التشميس إفساد للمال فاحتمل بخلاف مسألتنا .

وظاهر كلام بعض أصحابنا في محظورات الإحرام أن قتل النمل ، والنحل ، والضفدع لا يجوز وهو مذهب الشافعية واحتج جماعة على تحريم أكلها وأكل الهدهد ، والصرد بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها .

وقال في المستوعب في محظورات الإحرام فأما النمل وكل ما لا يضر ولا ينفع كالخنافس ، والجعلان ، والديدان ، والذباب ، والنمل غير التي تلسع فقال أحمد رحمه الله إذا آذته يعني هذه الأشياء قتلها ويكره قتلها من غير أذية فإن فعل فلا شيء عليه وقال ابن عقيل في آخر الفصول ولا يجوز قتل النمل ولا تخريب أجحرهن ولا قصدهن بما يضرهن ولا يحل قتل الضفدع .

وعن إبراهيم النخعي قال إذا آذاك النمل فاقتله ورأى أبو العتاهية نملا على بساط فقتلهن . وعن طاوس قال إنا لنغرق النمل بالماء يعني إذا آذتنا روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه

وسئل الشيخ تقي الدين هل يجوز إحراق بيوت النمل بالنار ؟ فقال يدفع ضرره بغير التحريق وذكر في المغني في مسألة قتل الكلب أن ما لا مضرة فيه لا يباح قتله واستدل بالنهي عن قتل الكلاب فدل كلامه هذا على التسوية ، وأنه إن أبيح قتل ما لا مضرة فيه من غير الكلاب أبيح قتل الكلاب وهو ظاهر كلام جماعة وهو متجه وعلى هذا يحمل تخصيص جواز قتل الكلب العقور ، والأسود البهيم لأنه لم يبح قتل ما لا مضرة فيه وعلى هذا يحمل كلام من خصهما من أصحابنا وإلا فلا يتجه جواز [ ص: 356 ] قتل ما لا مضرة فيه غير الكلاب ومنع قتل الكلاب وهذا واضح إن شاء الله تعالى وعلى هذا المراد بالكلاب غير المأذون في اقتنائها وإلا لم يجز وهذا مذهب مالك ويحمل نهي الشارع عن قتل الكلاب على الكراهة تخصيصا له برأي عثمان وغيره ممن رأى قتلهن ولأن مقتضاه الكراهة وهو وجه لنا ، والكلام في هذا النهي أخص فإنه نهي بعد وجوب .

وقد اختلف الأصحاب فيه هل هو للتحريم ، أو للكراهة أو لإباحة الترك على ثلاثة أوجه وعلى قولنا يمنع قتلها أنها إذا آذت بكثرة نجاستها وأكلها ما غفل عنه الناس جاز قتلها على ما يأتي نص أحمد في النمل يقتله إذا آذاه مع أن الشارع نهى عن قتلها فما جاز في أحدهما جاز في الآخر بل النهي عن قتل النمل ونحوه آكد لأنه لم يتقدمه أمر بقتله ولم ير صحابي قتله كما في الكلاب وهذا أيضا دال ولا بد على أنه إذا لم يحرم قتل النمل ونحوه بل يكره أن يكون حكم الكلاب كذلك من طريق الأولى فقد ظهر ، والحمد لله حكم هذه المسألة مذهبا ودليلا ، والله أعلم .

وسيأتي كلام صاحب المستوعب ، والمغني ، والكلام في قتل الهر وقدم في الرعاية الإباحة فصارت الأقوال في قتل ما لا مضرة فيه ثلاثة : الإباحة ، والكراهة ، والتحريم .

قال علي بن سعيد سألت أحمد عن تشميس القز يموت الدود فيه قال ولم يفعل ذلك قلت يجف القز وإن تركه كان في ذلك ضرر كثير قال إذا لم يجدوا منه بدا ولم يريدوا بذلك أن يعذبوا بالشمس فليس به بأس ، وسئل أحمد فيما نقل المروزي يدخن الزنابير ؟ قال إذا خشي أذاهم فلا بأس هو أحب إلي من تحريقه ، والنمل إذا آذاه يقتله وكذلك رواه ابن منصور عن أحمد وإسحاق .

وقال الخلال أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبو عبد الله الكواز حدثتني حبيبة مولاة الأحنف أنها رأت الأحنف بن قيس رحمه الله ورآها تقتل قملة فقال لا تقتليها ، ثم دعا بكرسي فجلس عليه فحمد الله وأثنى عليه فقال إني أحرج عليكن إلا خرجتن من داري فإني أكره أن تقتلن في داري قال فخرجن فما رئي منهن بعد ذلك اليوم واحدة .

قال عبد الله بن أحمد رأيت أبي فعل ذلك خرج [ ص: 357 ] على النمل ، وأكبر علمي أنه جلس على كرسي كان يجلس عليه لوضوء الصلاة ، ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك نمل كبار سود فلم أرهن بعد ذلك .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال { : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة ، والنحلة ، والهدهد ، والصرد } إسناده جيد له غير طريق رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع } إسناده حسن رواه أحمد وأبو داود ، والنسائي من حديث عبد الرحمن بن عثمان رضي الله عنه وقطع الشيخ محيي الدين النووي بتحريم تعذيب كل حيوان بالنار حتى القملة ونحوها .

وروى البخاري عن أبي هريرة مرفوعا { إن النار لا يعذب بها إلا الله } .

وروى أبو داود ثنا أبو صالح محبوب بن موسى ثنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن سعد وهو الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال من حرق هذه ؟ قلنا نحن فقال إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار } إسناده جيد وعبد الرحمن سمع من أبيه عن الأكثر .

فأما ما فيه منفعة من وجه ومضرة من وجه كالبازي ، والصقر ، والشاهين ، والباشق فإنه يخير في قتلها على ما ذكره في المستوعب وكذا في الفصول لما استوت حالتاه استوى الحال في قتله وتركه فمضرته في اصطياده لطيور [ ص: 358 ] الناس ، ومنفعته كونه يصطاد للناس قال وكذا الفهد وكل كلب معلم للصيد .

وذكر في المغني أن الكلب المعلم لا يحل قتله لأنه محل منتفع به يباح اقتناؤه فحرم إتلافه كالشاة قال لا نعلم فيه خلافا .

وقال أيضا إنما حرم إتلافه لما فيه من الإضرار وهو منهي عنه ، وذكر أيضا أنه يباح قتل الكلب العقور ، والأسود البهيم وإن كان معلما ومقتضى كلامه أنه لا يحل قتل البازي ونحوه كالكلب المعلم وأولى وقد يقال : بكراهة القتل فتصير الأقوال ثلاثة وجزم صاحب النظم بخبر إلا إذا ملكت فإنه يحرم إلا إذا عدت على معصوم آدمي أو مال .

ويحرم قتل الهر وجزم بعضهم يكره ، وإن ملكت حرم وكذا جزم به صاحب النظم ، وإن كره فقط فقتل الكلب أولى . ويجوز قتلها بأكلها لحما ، أو غيره نحوه قال صاحب النظم بلا كراهة ، وفي الفصول حين أكله لأنه لا يردعه إلا الدفع في حال صياله ، والقتل شرع في حق الآدمي وإن فارق الفعل ليرتدع الجنس .

وفي الترغيب لا يجوز إلا إذا لم يندفع إلا به كصائل .

وقال صاحب النظم وكذا لو كان يبول على الأمتعة أو يكسر الآنية ويخطف الأشياء غالبا إلا قليلا لمضرته ، ومن تعدى بقتلها فضمانها يخرج على جواز بيعها وإلا فلا ضمان ويضمن صاحبها ما أتلفه إن لم يحفظها جزم به في الفصول زاد في الرعاية في الأقيس قال جماعة بأكلها فراخا عادة قال جماعة مع علمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث