الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الصلاة

هي لغة : الدعاء بخير ، قال تعالى { وصل عليهم } أي ادع لهم . [ ص: 359 ] وفي الشرع : أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة .

واعترض عليه بأنه غير مانع لدخول سجود التلاوة والشكر مع أنهما ليسا من أنواع الصلاة وغير جامع أيضا لخروج صلاة الأخرس فإنها صلاة شرعية ولا أقوال فيها .

قال ابن العماد بعد ذكره الإيراد الأول : هذا اعتراض عجيب فإن التعبير بالأفعال مخرج لذلك ، فإن سجود التلاوة والشكر فعل واحد مفتتح بالتكبير مختتم بالتسليم وغيرهما أفعال ، وأيضا فالتعبير بالأقوال مخرج له أيضا ، وأما صلاة الأخرس فلا ترد لندرتها .

والأصل في الباب قبل الإجماع آيات كقوله تعالى { وأقيموا الصلاة } أي حافظوا عليها [ ص: 360 ] دائما بإكمال واجباتها وسننها وأخبار كخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال { فرض الله على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة ، فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم وليلة } وكانت ليلة الإسراء التي فرض فيها الخمس قبل الهجرة بسنة كما قاله البندنيجي ، وقيل بستة عشر شهرا كما حكاه الماوردي ، والأكثرون على الأول أو وخمسة أشهر أو ثلاثة أو قبلها بثلاث سنين ، وقال الجرمي : في سابع عشري ربيع الآخر ، وكذا قال المصنف في فتاويه ، لكن قال في شرح مسلم ربيع الأول ، وقيل سابع عشري رجب ، واختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي .

وبدأ بالمكتوبات اهتماما بها إذ هي أفضل مما سواها فقال ( المكتوبات ) أي المفروضات العينية من الصلاة في كل يوم وليلة ( خمس ) معلومة من الدين بالضرورة أما الجمعة فستأتي في بابها ولم تدخل في كلامه [ ص: 361 ] على أنها خمس في يومها ، والأصل في ذلك ما تقدم وخبر الأعرابي { هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع } وقوله لمعاذ لما بعثه إلى اليمن { أخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة } وأما قيام الليل فنسخ في حقنا وكذا في حقه صلى الله عليه وسلم على الأصح ، وصدر تبعا للأكثرين بمواقيتها لأنها أهم شروطها ، إذ بدخولها تجب وبخروجها تفوت .

والأصل فيها قوله تعالى { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } الآية ، أراد بالمساء صلاة المغرب والعشاء وبالصباح صلاة الصبح و ب ( عشيا ) العصر وب ( تظهرون ) الظهر وقوله تعالى { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه } وأراد بالأول صلاة الصبح وبالثاني صلاة الظهر والعصر وبالثالث صلاتي المغرب والعشاء وفي شرح المسند للرافعي أن الصبح صلاة آدم والظهر لداود والعصر لسليمان والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس وأورد فيه خبرا .

والحكمة في كون المكتوبات سبع عشرة ركعة أن زمن اليقظة من اليوم والليلة سبع عشرة ساعة غالبا اثنا عشر بالنهار ونحو ثلاث ساعات من الغروب وساعتين من قبيل الفجر فجعل لكل ساعة ركعة جبرا لما يقع فيها من التقصير .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

كتاب الصلاة

( قوله : كتاب الصلاة ) أي ما يتعلق بها من بيان حقيقتها وأحكامها ( قوله : هي لغة الدعاء بخير ) وعبارة شرح المنهج هي لغة ما مر أول الكتاب ، وأراد به ما قدمه من أنها من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ومن الآدمي تضرع ودعاء ا هـ .

وعبارة المصباح : الصلاة قيل أصلها في اللغة الدعاء لقوله { وصل عليهم } أي ادع لهم { واتخذوا من [ ص: 359 ] مقام إبراهيم مصلى } أي دعاء ثم سمي بها هذه الأفعال المشهورة لاشتمالها على الدعاء ، وهل سبيله النقل حتى تكون الصلاة حقيقة شرعية في هذه الأفعال مجازا لغويا في الدعاء لأن النقل في اللغات كالنسخ في الأحكام ، أو يقال استعمال اللفظ في المنقول إليه مجاز راجح ، وفي المنقول عنه حقيقة مرجوحة فيه خلاف بين أهل الأصول .

وقيل الصلاة في اللغة مشتركة بين الدعاء والتعظيم والرحمة والبركة ، ومنه { اللهم صل على آل أبي أوفى } أي بارك عليهم أو ارحمهم ، وعلى هذا فلا يكون قوله يصلون على النبي مشتركا بين معنيين بل مفرد في معنى واحد وهو التعظيم ، والصلاة تجمع على صلوات ا هـ ( قوله : أقوال ) قال الخطيب الشربيني : إن المراد بالأقوال ما عدا التكبير والسلام لا ما يشملهما وإلا لم يحتج لقوله مفتتحة بالتكبير إلخ ، وأن هذا تحقيق لم يره لغيره ، وأن ذكر الافتتاح يدل على خروج التكبير عن الأقوال ا هـ .

وأقول : هذا كله غلط واضح واللائق إزالة التاء والحاء من لفظ التحقيق المذكور ، وذلك لأن قوله : مفتتحة بالتكبير محتاج إليه إذ لا تميز تلك الأقوال والأفعال التي هي الصلاة عن غيرها إلا بهذا القيد فلهذا صرح به مع القطع بتناول التعريف أقوال التكبير والسلام ، ولأن افتتاح الشيء يكون من غيره كما يدل عليه ما ذكروه في خطبة العيدين أن التكبير قبلها خارج عنها وأن الشيء قد يفتتح بما ليس منه ، فإن هذا يدل على أن الافتتاح قد يكون بما هو منه بل وعلى أنه الأصل فتأمله ، ولهذا كانت أم الكتاب فاتحة الكتاب مع أنها جزء منه قطعا فتأمل ا هـ سم على بهجة ( قوله : بالتسليم ) أل في التكبير والتسليم للعهد : أي المعهودين بشرطهما الآتي ، وقوله : بالتسليم زاد حج غالبا فلا ترد صلاة الأخرس وصلاة المريض الذي يجريها على قلبه ، بل لا يرد أن مع حذف غالبا لأن وضع الصلاة ذلك فما خرج عنه لعارض لا يرد عليه ا هـ .

وكتب عليه سم قوله : فما خرج منه لعارض لا يرد عليه ، يقال عليه هذا الذي خرج لعارض هل هو من الأفراد حقيقة أو لا ، وهل يشمله لفظ التعريف أو لا ، فإن قال من الأفراد حقيقة ولا يشمله فهو وارد قطعا وإلا فهو ممنوع قطعا فتأمله ، اللهم إلا أن يكون المراد أنه شيء وضعه ما ذكر وفيه خفاء لا يليق بالتعريف .

( قوله : واعترض ) أي التعريف ( قوله : فعل واحد ) قال سم على حج : بل كل منهما أفعال لاشتمالهما على الهوي والرفع وليسا من مسمى السجدة ا هـ بالمعنى .

قال في المصباح : هوى يهوي من باب ضرب هويا بضم الهاء وفتحها ، وزاد ابن القوطية هواء بالمد سقط من أعلى إلى أسفل قاله أبو زيد وغيره .

قال الشاعر

هوي الدلو أسلمها الرشاء

يروى بالفتح والضم ، واقتصر الأزهري على الفتح وهوى يهوي أيضا هويا بالضم لا غير إذا ارتفع قال الشاعر

يهوي محارمها هوي الأجدل



وقال الآخر :

والدهر في أصعادها عجل الهوي

ا هـ .

وفي شرح المنهج ما ينبغي أن يراجع ( قوله : مخرج له ) أي للأول ( قوله : فلا ترد لندرتها ) قيل عليه قيد الغلبة لا يشعر به التعريف فلا بد في أخذه قيدا من الإشعار به .

قلنا : إنما [ ص: 360 ] نعتبر الإشعار به في التعاريف الحقيقية كتعاريف المناطقة والحكماء .

وأما الفقهاء والأصوليون فهم يتسامحون في عدم ذكر قيد الغلبة في كلامهم ويقولون عليه محذوف إشارة إلى أن النادر عندهم كالمعدوم ( قوله : واجباتها وسننها ) أي فحافظوا للندب أيضا ا هـ سم على بهجة : أي كما أنه للوجوب فيكون من استعمال المشترك في معنييه أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ( قوله : خمسين صلاة ) نقل السيوطي أنها لم تكن صلوات أخر في أوقات مختلفة ، بل هي الخمس مكررا كل منها عشر مرات وأنها نسخت في حقنا فقط دونه ، لكن قال بعضهم : المشهور نسخها في حقنا وحقه .

وقضية قوله في حقنا وحقه تسليم ما ذكره السيوطي من أنها لم تكن في أوقات مختلفة ، ويحتاج القائل بذلك إلى نقل عن الشارع ( قوله : حتى جعلها ) المعتمد أن الخمسين صلاة نسخت في حقنا وفي حقه صلى الله عليه وسلم ، ولكن كان يفعلها على وجه النفلية ، وضبط السيوطي في الخصائص الصغرى الصلوات التي كان يصليها فبلغت مائة ركعة كل يوم وليلة ، ولا دلالة فيه على أن تلك المائة هي التي فرضت ليلة الإسراء ، هذا وفي كلام البيضاوي في تفسير قوله تعالى { ولا تحمل علينا إصرا } أن من الإصر الذي كان على بني إسرائيل وخفف عن هذه الأمة أن الصلاة التي كانت مفروضة عليهم خمسون صلاة في كل يوم وليلة ، ويعارضه ما في معراج الغيطي من { أنه لما أخبر موسى بذلك قال له ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عنك وعن أمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد خبرت الناس قبلك وبلوت بني إسرائيل وعالجتهم أشد المعالجة على أدنى من هذا فضعفوا } ا هـ .

ويمكن أن يجاب بأنه فرض عليهم الخمسون فلم يقوموا بها ، فسأل موسى التخفيف عنه فخفف بإسقاط البعض فلم يقوموا بما بقي عليهم بعد التخفيف ، فلا تعارض بين ما نقله البيضاوي وما نقله الغيطي ( قوله : والأكثرون على الأول ) معتمد ( قوله : أو وخمسة ) أي بسنة وخمسة إلخ ( قوله : بثلاث سنين ) ونقل ابن أبي شريف في حاشية شرح العقائد عن القاضي عياض في الشفاء أن المعراج كان قبل الهجرة بخمس سنين واقتصر عليه ( قوله : أي المفروضات ) لما كان الكتب غير الفرض لغة وأعم منه شرعا فسر المراد هنا بقوله : أي المفروضات سم على حج ، وخرج بالمفروضات الرواتب والوتر فليست معلومة من الدين بالضرورة .

[ فرع ] سئل ابن الصلاح عن إبليس وجنوده هل يصلون ويقرءون القرآن ليغروا العالم الزاهد في الطريق التي يسلكها ؟ فأجاب بأن ظاهر المنقول ينفي قراءتهم القرآن وقوعا ، ويلزم منه انتفاء الصلاة لأن من شرطها الفاتحة وقد ورد أن الملائكة لم يعطوا فضيلة قراءة القرآن وهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس ، فإن قراءة القرآن [ ص: 361 ] كرامة أكرم الله تعالى بها الإنس ، غير أنه بلغنا أن المؤمنين من الجن يقرءونه ا هـ حاشية شرح الروضللرملي .

روى ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله مرفوعا { إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو عاتقه ، فكلما يكبر أو يسجد تتساقط عنه } حاشية شرح الروض أيضا .

وفيه دليل على أن إبليس وجنوده لا يصلون لبعدهم عن رحمة الله فلا يفعلون ما هو طريق للمغفرة ( قوله : على أنها ) أي المكتوبات ( قوله : في حقنا ) أي قطعا ( قوله : أراد بالمساء ) عبارة شرح البهجة : أراد بحين تمسون قال سم عليه : أي بالتسبيح حين تمسون ا هـ .

والمراد بالتسبيح في كلامه المفهوم من قوله تعالى { فسبحان الله } الصلاة ، وكذا يقال فيما بعده ( قوله : وبعشيا العصر ) عبارة القاموس : العشي بالفتح الظلمة كالعشواء أو ما بين أول الليل إلى ربعه ثم قال : والعشي والعشية آخر النهار ا هـ .

أي وعبارة الشارح من الإطلاق الثاني ( قوله : أن الصبح إلخ ) قال سم على حج : قوله : وورد أن الصبح إلى آخر ما في الشرح ، قيل وهذه الصلوات تفرقت في الأنبياء ، فالفجر لآدم والظهر لإبراهيم والعصر لسليمان والمغرب لعيسى ركعتين عن نفسه وركعة عن أمه والعشاء خصت به هذه الأمة ، وخالف الرافعي في شرح المسند بعض ذلك فجعل الظهر لداود والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس وأورد فيه خبرا ، والأصح كما مر أن العشاء من خصوصياتنا ا هـ .

والمتبادر أنها كانت واجبة عليهم فليراجع : أي وحيث كان كذلك ما الجواب عما ورد من أنها ليونس . أقول : ويمكن الجواب بأنها كانت ليونس دون أمته أو لم يصلها بهذه الكيفية أو لم يصلها في هذا الوقت .

وقوله ركعتين عن نفسه : أي مكفرة لما نسب إليه من دعوى الألوهية وركعة عن أمه لما نسب إليها من رميها بالألوهية أيضا .

وفي سيرة الحلبي : وفرضت الصلاة في المعراج ركعتين ركعتين حتى المغرب ثم زيد فيما عدا الصبح ركعتين والمغرب ركعة ا هـ .

أقول : وعلى هذا فيمكن حمل ما وقع في كلام السيوطي من أنها لم تنسخ في حقه وأن كل صلاة كانت تفعل عشرا ، وأن جملة الركعات التي كان يصليها مائة على ما كان مفروضا عليه عقب الإسراء .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث