الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 169 ] كتاب البيوع قال المصنف - رحمه الله تعالى - البيع جائز والأصل فيه قوله تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا } وقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }

التالي السابق


( الشرح ) قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة ) هو استثناء منقطع ، أي لكن لكم أكلها بتجارة عن تراض منكم ، قال العلماء : خص الله سبحانه وتعالى الأكل بالنهي تنبيها على غيره ، لكونه معظم المقصود من المال ، كما قال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } وقوله تعالى : { الذين يأكلون الربا } وأجمعت الأمة على أن التصرف في المال بالباطل حرام سواء كان أكلا أو بيعا أو هبة أو غير ذلك ، وقوله تعالى ( بالباطل ) قال ابن عباس وغيره : " إلا بحقها " قال أهل المعاني : الباطل اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم ورد الشرع به ، قال الواحدي : أجمعوا على أن هذا الاستثناء منقطع ، وقوله تعالى { إلا أن تكون تجارة } فيها قراءتان : الرفع والنصب ، فمن رفع جعل ( كان ) تامة ، إلا أن تقع تجارة ، ومن نصب قال : تقديره : إلا أن يكون المأكول تجارة أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف ، قال الواحدي : والأجود الرفع ، لأنه أدل على انقطاع الاستثناء ولأنه لا يحتاج إلى إضمار .

وأما صاحب الحاوي فبسط تفسير الآية في الحاوي فقال : قوله تعالى : ( أموالكم ) فيه تأويلان : ( أحدهما ) المراد مال كل إنسان في نفسه ، [ ص: 170 ] أي لا يصرفه في المحرمات ( والثاني ) معناه لا يأخذ بعضكم مال بعض كما قال تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( وقوله ) بالباطل ، قيل : معناه الصرف في المحرمات ، وقيل : النهب والغارات ، ( والثالث ) التجارات الفاسدة ونحوها ، والمختار ما قدمنا عن ابن عباس وأهل المعاني ، والله تعالى أعلم . وأما قوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا } فقد ذكر الشافعي - رحمه الله - في كتاب الأم تفسيرها مستوفى مع اختصار ، وشرحه صاحب الحاوي فقال : قال الشافعي : ومعنى الآية أربعة أقوال : ( أحدها ) أنها عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ، ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل ، وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابنا . قال في الأم : هذا أظهر معاني الآية . قال صاحب الحاوي والدليل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز ، فدل على أن الآية الكريمة تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها ، وبين صلى الله عليه وسلم المخصوص ، قال : فعلى هذا في العموم قولان ( أحدهما ) إنه عموم أريد به العموم ، وإن دخله التخصيص ( والثاني ) إنه عموم أريد به الخصوص ، قال : والفرق بينهما من وجهين ( أحدهما ) أن العموم المطلق الذي يراد به العموم ، وهو ما يجري على عمومه ، وإن دخله تخصيص كان الخارج منه بالتخصيص أقل مما بقي على العموم .

( والوجه الثاني ) أن البيان فيما أريد به الخصوص مقدم على اللفظ ، وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به ، قال : وعلى القولين جميعا يجوز الاستدلال بهذه الآية الكريمة في المسائل المختلف فيها . ما لم يقم دليل تخصيص ، وإخراجها من العموم .

[ ص: 171 ] والقول الثاني ) من الأقوال الأربعة : إنها مجملة لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ودليله أن في البياعات الجائز وغيره ، وبين في الآية ما يميز هذا من ذاك ، فاقتضت كونها مجملة ، فعلى هذا هل هي مجملة بنفسها ؟ أم بعارض ؟ فيه وجهان لأصحابنا ( أحدهما ) أنها مجملة بنفسها ، لأن قوله تعالى { وأحل الله البيع } يقتضي جواز البيع متفاضلا ، وقوله تعالى { وحرم الربا } يقتضي تحريم بيع الربوي متفاضلا فصار آخرها معارضا لأولها ، فحصل الإجمال فيها بنفسها ( والثاني ) أنها مجملة بغيرها ، لأنها جواز كل بيع من غرر ومعدوم وغيرهما وقد وردت السنة بالنهي عن بيع الغرر وبيع الملامسة وغيرهما فوقع الإجمال فيها بغيرها ، قال : ثم اختلف أصحابنا في الإجمال على وجهين ( أحدهما ) أن الإجمال وقع في المعنى المراد به دون صيغة لفظها ، لأن لفظ البيع اسم لغوي ولم يرد من طريق الشرع ، ومعناه معقول ، لكن لما قام بإزائه من الشبه ما يعارضه ، تدافع العمومان وحدهما ولم يتعين المراد منهما إلا ببيان الشبه ، فصارا مجملين لهذا المعنى ، لأن هذا اللفظ مشكل المعنى .

( والثاني ) أن اللفظ محتمل ، والمعنى المراد منه مشكل ، لأنه لما لم يكن المراد من اللفظ ما وقع عليه الاسم تبينا أن له شرائط لم تكن معقولة في اللغة ، خرج اللفظ بالشرائط عن موضوعه في اللغة إلى ما استقرت عليه شرائط الشرع ، وإن كان له في اللغة معان معقولة كما قلنا في الصلاة إنها مجملة لأنها متضمنة شرائط لم تكن معقولة في اللغة كالخضوع ، فكذلك البيع ، قال الماوردي : وعلى الوجهين لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده ، وإن دلت على صحة البيع من أصله قال . وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ، ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل ، والله أعلم .

[ ص: 172 ] والقول الثالث ) من الأربعة يتناولهما جميعا فيكون عموما دخله التخصيص ، ومجملا لحقه التفسير ، لقيام الدلالة عليها ، قال الماوردي واختلف أصحابنا في وجه دخول ذلك فيهما على ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى ، فيكون اللفظ عاما مخصوصا ، والمعنى مجملا لحقه التفسير ( والثاني ) أن العموم في قوله تعالى { وأحل الله البيع } والإجمال في قوله { : وحرم الربا } ( والثالث ) أنه كان مجملا ، فلما بينه النبي صلى الله عليه وسلم صار عاما ، فيكون داخلا في المجمل قبل البيان ، وفي العموم بعد البيان ، قال : فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني .

( والقول الرابع ) إنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا ، فقوله تعالى : ( وأحل الله البيع ) أي البيع الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ، وعرفه المسلمون منه ، فتناولت الآية بيعا معهودا ، ولهذا دخلت الألف واللام لأنهما للعهد أو للجنس ، ولا يكون الجنس هنا مرادا لخروج بعضه عن التحليل ، فعلم أن المراد العهد ، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده ، بل يرجع فيما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة ، فيحصل الفرق بينها وبين المجمل من وجه ، وبينها وبين العموم من وجهين .

( فأما ) الوجه الواحد فهو أن بيان النبي صلى الله عليه وسلم للبيوع كان قبل نزولها ، وبيان المجمل يكون مقترنا للفظ ، أو متأخرا عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان ، وأما الوجهان ( فأحدهما ) ما سبق من تقديم البيان في المعهود ، وإقرار بيان التخصيص بالعموم ( والثاني ) جواز الاستدلال بظاهر العموم دون ظاهر المعهود ، هذا آخر كلام الماوردي ، وذكر أصحابنا نحوه ، واتفقوا على نقل هذه الأقوال الأربعة عن الشافعي ، [ ص: 173 ] واتفقوا على أن أصحها عند الشافعي أن الآية عامة تتناول كل بيع إلا ما نهى الشرع عنه ، والله أعلم ( فرع ) أما الحكم الذي ذكره المصنف وهو جواز البيع ، فهو مما تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري ، قال الغزالي في أول بيوع الوسيط : أجمعت الأمة على أن البيع سبب لإفادة الملك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث