الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


168 - أبو مسلم الخولاني

ومنهم المتخلي عن الهموم والكرب ، المتسلي بالأوراد والنوب ، الخولاني أبو مسلم عبد الله بن ثوب ، حكيم الأمة وممثلها ، ومديم الخدمة ومحررها .

وقد قيل : إن التصوف التخلي عن المنقضي الفاني ، والتسلي بالمتحدي الباقي .

[ ص: 123 ] حدثنا أبي ، قال : ثنا إبراهيم بن الحسن ، قال : ثنا أبو حميد بن محمد بن سيار الحمصي ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا عطاء بن يزيد ، عن علقمة بن مرثد ، قال : انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين ، منهم أبو مسلم الخولاني ، وكان لا يجالس أحدا قط ، ولا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه ، فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فرجا أن يكونوا على ذكر خير فجلس إليهم ، فإذا بعضهم يقول : قدم غلامي فأصاب كذا وكذا ، وقال آخر : جهزت غلامي ، فنظر إليهم ، فقال : سبحان الله أتدرون ما مثلي ومثلكم ؟ كرجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين ، فقال : لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر ، فدخل فإذا البيت لا سقف له ، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب الدنيا ، وقال له قائل حين كبر ورق : لو قصرت عن بعض ما تصنع ؟ فقال : أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها : دعها وارفق بها ، حتى إذا رأيتم الغاية فلا تستبقوا منها شيئا ؟ قالوا : بلى ، قال : فإني أبصرت الغاية وإن لكل ساع غاية ، وغاية كل ساع الموت ، فسابق ومسبوق .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، قال : ثنا علي بن إسحاق ، قال : ثنا حسين المروزي ، قال : ثنا ابن المبارك ، قال : ثنا إبراهيم بن نشيط ، قال : ثنا الحسن بن ثوبان : أن أبا مسلم الخولاني دخل المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فذكر مثله سواء ، إلى قوله : فإذا أنتم أصحاب دنيا .

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : ثنا محمد بن شبل ، قال : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : ثنا أسامة ، قال : ثنا محمد بن عمرو ، عن صفوان بن مسلم ، قال : قال أبو مسلم الخولاني : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، فإنهم اليوم شوك لا ورق فيه ، إن ساببتهم سابوك ، وإن ناقدتهم ناقدوك ، وإن تركتهم لم يتركوك .

رواه صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبي مسلم مثله ، وزاد : وإن نفرت منهم يدركوك ، قال : فما أصنع ؟ قال : هب عرضك ليوم فقرك [ ص: 124 ] ، وخذ شيئا من لا شيء .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، قال : ثنا أبو المغيرة ، قال : ثنا صفوان بن عمرويه : حدثنا محمد بن الحسن ، قال : ثنا بشر بن موسى ، قال : ثنا المقرئ ، قال : ثنا ابن لهيعة ، قال : ثنا ابن هبيرة : أن كعبا كان يقول : إن حكيم هذه الأمة أبو مسلم الخولاني .

حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي زياد ، قال : ثنا سيار ، قال : ثنا جعفر ، عن مالك بن دينار ، قال : بلغنا أن كعبا رأى أبا مسلم الخولاني ، فقال : من هذا ؟ قالوا : هذا أبو مسلم الخولاني ، قال : هذا حكيم هذه الأمة .

حدثنا حامد بن جبلة ، قال : ثنا أبو العباس السراج ، قال : ثنا محمد بن الصباح ، قال : ثنا سفيان ، قال : سمعت أبا هارون موسى بن عيسى ، يقول : كان يقال : إن أبا مسلم الخولاني ممثل هذه الأمة .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني يحيى بن عثمان الحربي ، قال : ثنا أبو المليح ، عن يزيد - يعني ابن جابر - قال : كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان ، وكان يقول : اذكروا الله حتى يرى الجاهل أنكم مجانين .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن الحسن ، قال : قال أبو مسلم الخولاني : أرأيتم نفسا إن أنا أكرمتها ونعمتها وودعتها ذمتني غدا عند الله ، وإن أنا أسخطتها وأنصبتها وأعملتها - أو كما قال - رضيت عني غدا ؟ قالوا : من تيكم يا أبا مسلم ؟ قال : تيكم والله نفسي .

حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ، قال : ثنا مروان ، قال : ثنا محمد الظاهري ، قال : ثنا سعيد بن عبد العزيز ، قال : قال أبو مسلم الخولاني : لو قيل : إن جهنم تسعر ما استطعت أن أزيد في عملي .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، قال : ثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث ، قال : ثنا هدبة [ ص: 125 ] ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن القاسم : أن أبا مسلم الخولاني أسلم على عهد معاوية ، فقيل : ما منعك أن تسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم ؟ فقال : إني وجدت هذه الأمة على ثلاثة أصناف : صنف يدخلون الجنة بغير حساب ، وصنف يحاسبون حسابا يسيرا ، وصنف يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة ، فأردت أن أكون من الأولين ، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يحاسبون حسابا يسيرا ، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة .

كذا رواه : أسلم على عهد معاوية ، ولكن هاجر إلى الأرض المقدسة في أيام معاوية وسكنها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث