الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ثم لتسألن يومئذ عن النعيم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم )

قوله تعالى : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) فيه قولان :

المسألة الأولى : في أن الذي يسأل عن النعيم من هو ؟ فيه قولان :

أحدهما : وهو الأظهر أنهم الكفار ، قال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ويدل عليه وجهان :

الأول : ما روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية ، قال : يا رسول الله ، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذب أن تكون من النعيم الذي نسأل عنه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إنما ذلك للكفار ، ثم قرأ : ( وهل نجازي إلا الكفور ) [ سبأ : 17]

والثاني : وهو أن ظاهر الآية دل على ما ذكرناه ، وذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله تعالى والاشتغال بشكره ، فالله تعالى يسألهم عنها يوم القيامة حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه سببا لسعادتهم هو كان من أعظم أسباب الشقاء لهم في الآخرة .

والقول الثاني : أنه عام في حق المؤمن والكافر واحتجوا بأحاديث ، روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة عن النعيم فيقال له : ألم نصحح لك جسمك ونروك من الماء البارد وقال محمود بن لبيد : لما نزلت هذه السورة قالوا : يا رسول الله عن أي نعيم نسأل ؟ إنما هما الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر ، فعن أي نعيم نسأل ؟ قال : إن ذلك سيكون وروي عن عمر أنه قال : أي نعيم نسأل عنه يا رسول الله وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وروي أن شابا أسلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمه رسول الله سورة ألهاكم ، ثم زوجه رسول الله امرأة فلما دخل عليها ورأى الجهاز العظيم والنعيم الكثير خرج وقال : لا أريد ذلك فسأله النبي - عليه الصلاة والسلام - عنه فقال : ألست علمتني : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) [ ص: 78 ] وأنا لا أطيق الجواب عن ذلك . وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال : هل علي من النعمة شيء ؟ قال : الظل والنعلان والماء البارد . وأشهر الأخبار في هذا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات ليلة إلى المسجد ، فلم يلبث أن جاء أبو بكر فقال : ما أخرجك يا أبا بكر ؟ قال : الجوع ، قال : والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك ، ثم دخل عمر فقال مثل ذلك ، فقال : قوموا بنا إلى منزل أبي الهيثم ، فدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الباب وسلم ثلاث مرات فلم يجب أحد فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجت امرأته تصيح : كنا نسمع صوتك لكن أردنا أن تزيد من سلامك فقال لها خيرا ، ثم قالت : بأبي أنت وأمي إن أبا الهيثم خرج يستعذب لنا الماء ، ثم عمدت إلى صاع من شعير فطحنته وخبزته ورجع أبو الهيثم فذبح عناقا وأتاهم بالرطب فأكلوا وشربوا فقال عليه الصلاة والسلام : هذا من النعيم الذي تسألون عنه وروي أيضا : لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره وماله وشبابه وعمله وعن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد ليسأل يوم القيامة حتى عن كحل عينيه ، وعن فتات الطينة بأصبعه ، وعن لمس ثوب أخيه واعلم أن الأولى أن يقال : السؤال يعم المؤمن والكافر ، لكن سؤال الكافر توبيخ ؛ لأنه ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف ؛ لأنه شكر وأطاع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث