الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الباب الرابع

في تقسيمات الاسم إلى أنواعه وهي من وجوه

التقسيم الأول :

إما أن يكون نفس تصور معناه مانعا من الشركة ، أو لا يكون ، فإن كان الأول ، فإما أن يكون مظهرا وهو العلم ، وإما أن يكون مضمرا وهو معلوم . وأما إذا لم يكن مانعا من الشركة فالمفهوم منه : إما أن يكون ماهية معينة ، وهو أسماء الأجناس ، وإما أن يكون مفهومه أنه شيء ما موصوف بالصفة الفلانية ، وهو المشتق كقولنا : أسود ، فإن مفهومه أنه شيء ما له سواد . فثبت بما ذكرناه أن الاسم جنس تحته أنواع ثلاثة : أسماء الأعلام ، وأسماء الأجناس ، والأسماء المشتقة ، فلنذكر أحكام هذه الأقسام :

النوع الأول :

أحكام الأعلام وهي كثيرة :

الحكم الأول : قال المتكلمون : اسم العلم لا يفيد فائدة أصلا وأقول : حق أن العلم لا يفيد صفة في المسمى ، وأما ليس بحق أنه لا يفيد شيئا ، وكيف وهو يفيد تعريف تلك الذات المخصوصة ؟ .

الحكم الثاني : اتفقوا على أن الأجناس لها أعلام ، فقولنا " أسد " اسم جنس لهذه الحقيقة . وقولنا " أسامة " اسم علم لهذه الحقيقة ، وكذلك قولنا " ثعلب " اسم جنس لهذه الحقيقة ، وقولنا " ثعالة " اسم علم لها ، وأقول : الفرق بين اسم الجنس وبين علم الجنس من وجهين :

الأول : أن اسم العلم هو الذي يفيد الشخص المعين من حيث إنه المعين ، فإذا سمينا أشخاصا كثيرين باسم زيد ، فليس ذلك لأجل أن قولنا " زيد " موضوع لإفادة القدر المشترك بين تلك الأشخاص ، بل لأجل أن لفظ زيد وضع لتعريف هذه الذات من حيث إنها هذه ، ولتعرف تلك من حيث إنها تلك على سبيل الاشتراك ، إذا عرفت هذا فنقول : إذا قال الواضع : وضعت لفظ أسامة لإفادة ذات كل واحد من أشخاص الأسد بعينها من حيث هي هي على سبيل الاشتراك اللفظي ، كان ذلك علم الجنس ، وإذا قال : وضعت لفظ الأسد لإفادة الماهية التي هي القدر المشترك بين هذه الأشخاص فقط من غير أن يكون فيها دلالة على الشخص المعين ، كان هذا اسم الجنس ، فقد ظهر الفرق بين اسم الجنس وبين علم الجنس .

الثاني : أنهم وجدوا أسامة اسما غير منصرف ، وقد تقرر عندهم أنه ما لم يحصل في الاسم شيئان لم يخرج [ ص: 44 ] عن الصرف ، ثم وجدوا في هذا اللفظ التأنيث ولم يجدوا شيئا آخر سوى العلمية ، فاعتقدوا كونه علما لهذا المعنى .

الحكم الثالث :

اعلم أن الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام أنه ربما اختص نوع بحكم ، واحتيج إلى الإخبار عنه بذلك الحكم الخاص ، ومعلوم أن ذلك الإخبار على سبيل التخصيص غير ممكن إلا بعد ذكر المخبر عنه على سبيل الخصوص ، فاحتيج إلى وضع الأعلام لهذه الحكمة .

الحكم الرابع : أنه لما كانت الحاجات المختلفة تثبت لأشخاص الناس فوق ثبوتها لسائر الحيوانات ، لا جرم كان وضع الأعلام للأشخاص الإنسانية أكثر من وضعه لسائر الذوات .

الحكم الخامس : في تقسيمات الأعلام وهي من وجوه :

الأول : العلم إما أن يكون اسما كإبراهيم وموسى وعيسى ، أو لقبا كإسرائيل ، أو كنية كأبي لهب . واعلم أن هذا التقسيم يتفرع عليه أحكام :

الحكم الأول : الشيء إما أن يكون له الاسم فقط ، أو اللقب فقط ، أو الكنية فقط ، أو الاسم مع اللقب ، أو الاسم مع الكنية ، أو اللقب مع الكنية . واعلم أن سيبويه أفرد أمثلة الأقسام المذكورة من تركيب الكنية والاسم وهي ثلاثة :

أحدها : الذي له الاسم والكنية كالضبع ، فإن اسمها حضاجر وكنيتها أم عامر ، وكذلك يقال للأسد : أسامة وأبو الحارث ، وللثعلب ثعالة أبو الحنبص ، وللعقرب شبوة وأم عريط .

وثانيها : أن يحصل له الاسم دون الكنية كقولنا قثم لذكر الضبع ولا كنية له .

وثالثها : الذي حصلت له الكنية ولا اسم له ، كقولنا للحيوان المعين أبو براقش .

الحكم الثالث : الكنية قد تكون بالإضافات إلى الآباء وإلى الأمهات وإلى البنين وإلى البنات ، فالكنى بالآباء ، كما يقال للذئب : أبو جعدة للأبيض ، وأبو الجون ، وأما الأمهات فكما يقال للداهية : أم حبوكرى ، وللخمر : أم ليلى ، وأما البنون فكما يقال : للغراب ابن دأية ، وللرجل الذي يكون حاله منكشفا : ابن جلا ، وأما البنات فكما يقال للصدى : ابنة الجبل ، وللحصاة : بنت الأرض .

الحكم الرابع : الإضافة في الكنية قد تكون مجهولة النسب نحو ابن عرس وحمار قبان ، وقد تكون معلومة النسب نحو ابن لبون وبنت لبون وابن مخاض وبنت مخاض ؛ لأن الناقة إذا ولدت ولدا ثم حمل عليها بعد ولادتها فإنها لا تصير مخاضا إلا بعد سنة ، والمخاض الحامل المقرب ، فولدها إن كان ذكرا فهو ابن مخاض ، وإن كان أنثى فهي بنت مخاض ، ثم إذا ولدت وصار لها لبن صارت لبونا فأضيف الولد إليها بإضافة معلومة .

الحكم الخامس : إذا اجتمع الاسم واللقب : فالاسم إما أن يكون مضافا أو لا ، فإن لم يكن مضافا أضيف الاسم إلى اللقب ، يقال : هذا سعيد كرز وقيس بطة ؛ لأنه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد ، وأما إن كان الاسم مضافا فهم يفردون اللقب فيقولون : هذا عبد الله بطة .

الحكم السادس : المقتضي لحصول الكنية أمور :

أحدها الإخبار عن نفس الأمر كقولنا أبو طالب ، فإنه كني بابنه طالب .

وثانيها : التفاؤل والرجاء كقولهم : أبو عمرو لمن يرجو ولدا يطول عمره ، وأبو الفضل لمن يرجو ولدا جامعا للفضائل .

وثالثها : الإيماء إلى الضد كأبي يحيى للموت .

ورابعها : أن يكون الرجل إنسانا مشهورا وله أب مشهور فيتقارضان الكنية ، فإن يوسف كنيته أبو يعقوب ، ويعقوب كنيته أبو يوسف .

وخامسها : اشتهار الرجل بخصلة فيكنى بها إما بسبب اتصافه بها أو انتسابه إليها بوجه قريب أو بعيد .

التقسيم الثاني للأعلام :

العلم إما أن يكون مفردا كزيد أو مركبا من كلمتين لا علاقة بينهما [ ص: 45 ] كبعلبك أو بينهما علاقة وهي : إما علاقة الإضافة كعبد الله وأبي زيد ، أو علاقة الإسناد ، وهي إما جملة اسمية أو فعلية ، ومن فروع هذا الباب أنك إذا جعلت جملة اسم علم لم تغيرها ألبتة ، بل تتركها بحالها مثل تأبط شرا وبرق نحره .

التقسيم الثالث :

العلم إما أن يكون منقولا أو مرتجلا ، أما المنقول فإما أن يكون منقولا عن لفظ مفيد أو غير مفيد ، والمنقول من المفيد إما أن يكون منقولا عن الاسم أو الفعل أو الحرف أو ما يتركب منها ، أما المنقول عن الاسم فإما أن يكون عن اسم عين : كأسد وثور ، أو عن اسم معنى : كفضل ونصر ، أو صفة حقيقية : كالحسن ، أو عن صفة إضافية كالمذكور والمردود .

والمنقول عن الفعل إما أن يكون منقولا عن صيغة الماضي كشمر ، أو عن صيغة المضارع كيحيى ، أو عن الأمر كاطرقا ، والمنقول عن الحرف كرجل سميته بصيغة من صيغ الحروف ، وأما المنقول عن المركب من هذه الثلاثة فإن كان المركب مفيدا فهو المذكور في التقسيم الثاني ، وإن كان غير مفيد فهو يفيد ، وأما المنقول عن صوت فهو مثل تسمية بعض العلوية بطباطبا ، وأما المرتجل فقد يكون قياسا مثل : عمران وحمدان فإنهما من أسماء الأجناس مثل سرحان وندمان ، وقد يكون شاذا قلما يوجد له نظير مثل محبب وموهب .

التقسيم الرابع :

الأعلام إما أن تكون للذوات أو المعاني ، وعلى التقديرين فإما أن يكون العلم علم الشخص أو علم الجنس ، فههنا أقسام أربعة ، وقبل الخوض في شرح هذه الأقسام فيجب أن تعلم أن وضع الأعلام للذوات أكثر من وضعها للمعاني : لأن أشخاص الذوات هي التي يتعلق الغرض بالإخبار عن أحوالها على سبيل التعيين ، أما أشخاص الصفات فليست كذلك في الأغلب .

ولنرجع إلى أحكام الأقسام الأربعة ، فالقسم الأول العلم للذوات ، والشرط فيه أن يكون المسمى مألوفا للواضع ، والأصل في المألوفات الإنسان : لأن مستعمل أسماء الأعلام هو الإنسان ، وإلف الشيء بنوعه أتم من إلفه بغير نوعه ، وبعد الإنسان الأشياء التي يكثر احتياج الإنسان إليها وتكثر مشاهدته لها ، ولهذا السبب وضعوا أعوج ولاحقا علمين لفرسين ، وشذقما وعليا لفحلين ، وضمران لكلب ، وكساب لكلبة ، وأما الأشياء التي لا يألفها الإنسان فقلما يضعون الأعلام لأشخاصها .

أما القسم الثاني : فهو علم الجنس للذوات وهو مثل أسامة للأسد ، وثعالة للثعلب .

وأما القسم الثالث : فهو وضع الأعلام للأفراد المعينة من الصفات : وهو مفقود لعدم الفائدة .

وأما القسم الرابع : فهو علم الجنس للمعاني ، والضابط فيه أنا إذا رأينا حصول سبب واحد من الأسباب التسعة المانعة من الصرف ثم منعوه الصرف ، علمنا أنهم جعلوه علما لما ثبت أن المنع من الصرف لا يحصل إلا عند اجتماع سببين ، وذكر ابن جني أمثلة لهذا الباب ، وهي تسميتهم التسبيح بسبحان ، والغدو بكيسان ؛ لأنهما غير منصرفين فالسبب الواحد - وهو الألف والنون - حاصل . ولا بد من حصول العلمية ليتم السببان .

التقسيم الخامس للأعلام :

اعلم أن اسم الجنس قد ينقلب اسم علم كما إذا كان المفهوم من اللفظ أمرا كليا صالحا لأن يشترك فيه كثيرون ، ثم إنه في العرف يختص بشخص بعينه مثل " النجم " فإنه في الأصل اسم لكل نجم ، ثم اختص في العرف بالثريا ، وكذلك " السماك " اسم مشتق من الارتفاع ثم اختص بكوكب معين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث