الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان من له حق القص والوعظ

بيان من له حق القص والوعظ

ولهذا ورد في حديث عوف بن مالك الأشجعي مرفوعا: «لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مختال» رواه أبو داود، ورواه الدارمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفي رواية: «أو مراء، أو مختال».

أصل القص: إعلام الأخبار وبيانها. والقصة مشتق منه. و«القاص»: من يؤدي القصة على وجهها. والقص: الوعظ والنصح، وهو المراد هنا.

أي: لا يعظ إلا وال مسلم، يخبر الناس بالأخبار الماضية ليعتبروا، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر.

وفيه: أن القص من أوصاف الأمراء والولاة، وهم المستحقون به وبتبليغه إلى الخلق، فإن قصروا في ذلك، فليقص من هو مأمور من جهته، مأذون، مجاز من الأمير، لا من ليس بمأذون من جهة الحاكم والأمير.

[ ص: 240 ] وذلك لأن الأمير لا يؤذن إلا لمن يراه عالما كاملا وعاملا صالحا، أهلا للنصيحة والوعظ، وهداية الناس إلى الحق والصواب.

والثالث: رجل متكبر معجب، يقص لطلب الرياسة واتباع الهوى، يرائي الناس، ويسمعهم، ويتصدر، كأحوال أكثر الوعاظ في زماننا هذا.

فإنه إذا قرأ طفل شيئا من أوائل العلم، تصدر للتدريس، وتصدى للوعظ من غير أن يأمره أمير أو رئيس، ومراده أن يشتهر في العوام، ويأكل الطعام، ويعد في العلماء الأعلام، وهو أجهل خلق الله بالقرآن وبالحديث.

وما مبلغه من العلم إلا كتب الرأي والقصص المكذوبة، والحكايات المختلقة، فيضل ويضل، عصمنا الله من ذلك.

وروي: «محتال» من الحيلة، وهو أصح وأولى عند بعضهم. والله أعلم.

قال في الترجمة: وفي الحديث زجر من القص والوعظ من غير إذن الإمام؛ لأن الإمام أعلم بمصالح الرعية، ومهيمن عليهم.

فإن لم يقص بنفسه [يقص بنفسه] يجتهد في تحصيل امرئ من بين العلماء، متصف بالعلم والتقوى والديانة والصيانة، وترك الطمع، وحسن العقيدة، بعيد عن الجهل والفسق والخيانة والبدعة.

قال: ومن هنا يستنبط أنه لا يجوز التصدر على سجادة المشيخة للوعظ والإرشاد والهداية من دون إذن له من المشايخ والإجازة واستلافهم إياه، كما يفعل بعض المشيخة من أهل الجهل والهوى.

وقال بعض الشراح: إن ورود هذا الحديث في باب الخطبة، فإنها مفوضة إلى الإمام، أو من يأمره الإمام بها نيابة عنه. انتهى.

[ ص: 241 ] وعلى كل حال، الحديث دليل على منع الجاهل عن القص، والخطبة تدخل فيه دخولا أوليا؛ لأن وعظ السلف كان غالبا في الخطب، ولم يكن على هذه الطريقة المروجة اليوم بعينها، وهم كانوا أهل علم وتقوى.

وهؤلاء الوعاظ في زماننا أكثرهم جهلة متصوفة، أو مبتدعة قصاص، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا.

ومنهم من يرائي، والرياء شرك. ومنهم من هو مختال؛ أي: يرى نفسه معظما في خياله.

وكل هؤلاء ليسوا من الدين والإيمان في شيء.


نعوذ بالله من أناس تشيخوا قبل أن يشيخوا     اخشوشنوا واحدودبوا رياء
فاحذرهم إنهم فخوخ



وهذا الجنس قد كثر في هذه الأمة منذ أزمان، وكان أمر الله قدرا مقدورا.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه».

المراد بالعلم -كما مر مرارا-: علم الكتاب والسنة؛ أي: من ليس له علم بهما، واستفتاه أحد فأفتى بغير هذا العلم، كان إثم ذلك على المستفتي؛ لأنه الباعث على هذه الفتوى، وهذا على رواية «أفتى» بصيغة المعلوم، بمعنى: «استفتى» يعني: أنه سأله عمدا مع وجود الأعلم منه.

وروي: «أفتي» على صيغة المجهول، والمعنى: إثم هذه الفتوى على المفتي، لا على من استفتاه.

قال في الترجمة: وهذا المعنى أظهر. انتهى. قلت: لا يخلو أحد منهما من الإثم، أما المستفتي، فبسبب الاستفتاء من هذا [ ص: 242 ] الجاهل، وترك الذي هو أعلم منه، والمفتي بسبب الإفتاء على جهل.

وهذه البلوى قد عمت في هذا الزمن؛ لأن أكثر الناس يستفتون المسائل ممن لا علم له بالكتاب والسنة، والمفتون أكثرهم مقلدون، لا يعرفون من العلم والدين إلا [ما] جاءهم عن إمامهم. وهم غير عارفين بكونه حقا أو باطلا، فيفتون بالرأي دون الرواية، وبالفروع دون الأصول، فيضلون ويضلون. الحديث رواه أبو داود.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث