الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " .

فقال بعضهم : يعني بقوله : " الخيط الأبيض " ، ضوء النهار ، وبقوله : " الخيط الأسود " سواد الليل .

فتأويله على قول قائلي هذه المقالة : وكلوا بالليل في شهر صومكم ، واشربوا ، وباشروا نساءكم مبتغين ما كتب الله لكم من الولد ، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده . [ ص: 510 ]

ذكر من قال ذلك :

2982 - حدثني الحسن بن عرفة قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا أشعث عن الحسن في قول الله تعالى ذكره : " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " قال : الليل من النهار .

2983 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط عن السدي : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " قال : حتى يتبين لكم النهار من الليل ، " ثم أتموا الصيام إلى الليل " .

2984 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة قوله : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " فهما علمان وحدان بينان فلا يمنعكم أذان مؤذن مراء ، أو قليل العقل من سحوركم ، فإنهم يؤذنون بهجيع من الليل طويل . وقد يرى بياض ما على السحر يقال له : " الصبح الكاذب " كانت تسميه العرب ، فلا يمنعكم ذلك من سحوركم ، فإن الصبح لا خفاء به : طريقة معترضة في الأفق ، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الصبح ، فإذا رأيتم ذلك فأمسكوا .

2985 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه عن ابن عباس : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " يعني الليل من النهار ، فأحل لكم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لكم الصبح ، فإذا تبين الصبح حرم عليهم [ ص: 511 ] المجامعة والأكل والشرب حتى يتموا الصيام إلى الليل . فأمر بصوم النهار إلى الليل ، وأمر بالإفطار بالليل .

2986 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو بكر بن عياش وقيل له : أرأيت قول الله تعالى : " الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " ؟ قال : إنك لعريض القفا ، قال : هذا ذهاب الليل ومجيء النهار . قيل له : الشعبي عن عدي بن حاتم؟ قال : نعم ، حدثنا حصين .

وعلة من قال هذه المقالة ، وتأول الآية هذا التأويل ما : [ ص: 512 ]

2987 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا حفص بن غياث عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله ، قول الله : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " ؟ قال : هو بياض النهار وسواد الليل . .

2988 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن نمير وعبد الرحيم بن سليمان عن مجالد بن سعيد عن عامر عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني الإسلام ، ونعت لي الصلوات؛ كيف أصلي كل صلاة لوقتها ، ثم قال : إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، ثم أتم الصيام إلى الليل . ولم أدر ما هو ، ففعلت خيطين من أبيض وأسود ، فنظرت فيهما عند الفجر ، فرأيتهما سواء . فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت ، غير " الخيط الأبيض من الخيط الأسود " ! قال : وما منعك يا ابن حاتم؟ وتبسم كأنه قد علم ما فعلت . قلت : فتلت خيطين من أبيض وأسود فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي نواجذه ، ثم قال : ألم أقل لك " من الفجر " ؟ إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل .

2989 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا مالك بن إسماعيل قال : حدثنا داود وابن علية جميعا ، عن مطرف عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما " الخيط الأبيض من الخيط الأسود " أهما [ ص: 513 ] خيطان أبيض وأسود؟ فقال : وإنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين . ثم قال : لا ولكنه سواد الليل وبياض النهار . .

2990 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي قال : حدثنا ابن أبي مريم قال : حدثنا أبو غسان قال : حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد قال : نزلت هذه الآية : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " فلم ينزل " من الفجر " قال : فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له . فأنزل الله بعد ذلك : " من الفجر " فعلموا إنما يعني بذلك الليل والنهار .

وقال متأولو قول الله تعالى ذكره : " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " أنه بياض النهار وسواد الليل - : صفة ذلك البياض أن يكون [ ص: 514 ] منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءه الطرق ، فأما الضوء الساطع في السماء ، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله : " الخيط الأبيض من الخيط الأسود " .

ذكر من قال ذلك :

2991 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال : حدثنا معتمر بن سليمان قال : سمعت عمران بن حدير عن أبي مجلز : الضوء الساطع في السماء ليس بالصبح ، ولكن ذاك " الصبح الكاذب " ، إنما الصبح إذا انفضح الأفق .

2992 - حدثني سلم بن جنادة السوائي قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم قال : لم يكونوا يعدون الفجر فجركم هذا ، كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق .

2993 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا عثام عن الأعمش عن مسلم : ما كانوا يرون إلا أن الفجر الذي يستفيض في السماء .

2994 - حدثنا الحسن بن عرفة قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول : هما فجران ، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا ، ولكن الفجر الذي يستبين على رءوس الجبال هو الذي يحرم الشراب .

2995 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال : حدثنا أبو أسامة عن محمد بن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ] : الفجر فجران ، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا ، وأما [ ص: 515 ] المستطير الذي يأخذ الأفق ، فإنه يحل الصلاة ويحرم الصوم . .

2996 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا وكيع وإسماعيل بن صبيح وأبو أسامة عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطير في الأفق " . [ ص: 516 ]

2997 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا معاوية بن هشام الأسدي قال : حدثنا شعبة عن سوادة قال : سمعت سمرة بن جندب يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه وهو يقول : " لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر وينفجر " . [ ص: 517 ]

وقال آخرون : الخيط الأبيض : هو ضوء الشمس ، والخيط الأسود : هو سواد الليل .

ذكر من قال ذلك :

2998 - حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا عبيدة بن حميد عن الأعمش [ ص: 518 ] عن إبراهيم التيمي قال : سافر أبي مع حذيفة قال : فسار حتى إذا خشينا أن يفجأنا الفجر قال : هل منكم من أحد آكل أو شارب؟ قال : قلت له : أما من يريد الصوم فلا . قال : بلى! قال : ثم سار حتى إذا استبطأنا الصلاة نزل فتسحر .

2999 - حدثنا هناد وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه ، قال : خرجت مع حذيفة إلى المدائن في رمضان ، فلما طلع الفجر ، قال : هل منكم من أحد آكل أو شارب؟ قلنا : أما رجل يريد أن يصوم فلا . قال : لكني! قال : ثم سرنا حتى استبطأنا الصلاة ، قال : هل منكم أحد يريد أن يتسحر؟ قال : قلنا أما من يريد الصوم فلا . قال : لكني! ثم نزل فتسحر ، ثم صلى .

3000 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو بكر قال : ربما شربت بعد قول المؤذن - يعني في رمضان - : " قد قامت الصلاة " . قال : وما رأيت أحدا كان أفعل له من الأعمش وذلك لما سمع ، قال : حدثنا إبراهيم التيمي عن أبيه قال : كنا مع حذيفة نسير ليلا فقال : هل منكم متسحر الساعة؟ قال : ثم [ ص: 519 ] سار ، ثم قال حذيفة : هل منكم متسحر الساعة؟ قال : ثم سار حتى استبطأنا الصلاة ، قال : فنزل فتسحر .

3001 - حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال : حدثنا مصعب بن المقدام قال : حدثنا إسرائيل قال : حدثنا أبو إسحاق عن هبيرة عن علي : أنه لما صلى الفجر قال : هذا حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . [ ص: 520 ]

3002 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن الصلت قال : حدثنا إسحاق بن حذيفة العطار عن أبيه عن البراء قال : تسحرت في شهر رمضان ، ثم خرجت فأتيت ابن مسعود فقال : اشرب . فقلت : إني قد تسحرت! فقال : اشرب! فشربنا ، ثم خرجنا والناس في الصلاة .

3003 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو معاوية عن الشيباني عن جبلة بن سحيم عن عامر بن مطر قال : أتيت عبد الله بن مسعود في داره ، فأخرج فضلا من سحوره ، فأكلنا معه ، ثم أقيمت الصلاة فخرجنا فصلينا .

3004 - حدثنا خلاد بن أسلم قال : حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي [ ص: 521 ] إسحاق عن عبد الله بن معقل عن سالم مولى أبي حذيفة قال : كنت أنا وأبو بكر الصديق فوق سطح واحد في رمضان ، فأتيت ذات ليلة فقلت : ألا تأكل يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأومأ بيده : أن كف ، ثم أتيته مرة أخرى ، فقلت له : ألا تأكل يا خليفة رسول الله؟ فأومأ بيده : أن كف . ثم أتيته مرة أخرى ، فقلت : ألا تأكل يا خليفة رسول الله؟ فنظر إلى الفجر ثم أومأ بيده : أن كف . ثم أتيته فقلت : ألا تأكل يا خليفة رسول الله؟ قال : هات غداءك! قال : فأتيته به فأكل ، ثم صلى ركعتين ، ثم قام إلى الصلاة . [ ص: 522 ]

3005 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال : الوتر بالليل والسحور بالنهار .

وقد روي عن إبراهيم غير ذلك :

3006 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر عن حماد عن إبراهيم قال : السحور بليل ، والوتر بليل .

3007 - حدثنا حكام عن ابن أبي جعفر عن المغيرة عن إبراهيم قال : السحور والوتر ما بين التثويب والإقامة .

3008 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة [ ص: 523 ] عن شبيب بن غرقدة عن عروة عن حبان قال : تسحرنا مع علي ، ثم خرجنا وقد أقيمت الصلاة ، فصلينا .

3009 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا مؤمل قال : حدثنا سفيان عن [ ص: 524 ] شبيب عن حبان بن الحارث قال : مررت بعلي وهو في دار أبي موسى وهو يتسحر ، فلما انتهيت إلى المسجد أقيمت الصلاة .

3010 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير عن منصور عن أبي إسحاق عن أبي السفر قال : صلى علي بن أبي طالب الفجر ، ثم قال : هذا حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .

وعلة من قال هذا القول : أن القول إنما هو النهار دون الليل . قالوا : وأول النهار طلوع الشمس ، كما أن آخره غروبها . قالوا : ولو كان أوله طلوع الفجر ، لوجب أن يكون آخره غروب الشفق . قالوا : وفي إجماع الحجة على أن آخر النهار غروب الشمس دليل واضح على أن أوله طلوعها . قالوا : وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تسحر بعد طلوع الفجر أوضح دليل على صحة قولنا .

ذكر الأخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك :

3011 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو بكر عن عاصم عن زر عن حذيفة قال : قلت : تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم ، قال : لو أشاء لأقول هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع . [ ص: 525 ]

3012 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو بكر قال : ما كذب عاصم على زر ولا زر على حذيفة قال : قلت له : يا أبا عبد الله تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع .

3013 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا مؤمل قال : حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن حذيفة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحر وأنا أرى مواقع النبل . قال : قلت أبعد الصبح؟ قال : هو الصبح ، إلا أنه لم تطلع الشمس .

3014 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا الحكم بن بشير قال : حدثنا عمرو بن قيس وخلاد الصفار عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال : أصبحت ذات يوم فغدوت إلى المسجد ، فقلت : لو مررت على باب حذيفة ! ففتح لي فدخلت ، فإذا هو يسخن له طعام ، فقال : اجلس حتى تطعم . فقلت : إني أريد الصوم . فقرب طعامه فأكل وأكلت معه ، ثم قام إلى لقحة في الدار ، فأخذ يحلب من جانب وأحلب أنا من جانب ، فناولني ، فقلت : ألا ترى الصبح؟ فقال : اشرب! فشربت ، ثم جئت إلى باب المسجد فأقيمت الصلاة ، فقلت له : أخبرني بآخر [ ص: 526 ] سحور تسحرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس .

3015 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده ، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه " . [ ص: 527 ]

3016 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله - وزاد فيه : وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر .

3017 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يحيى بن واضح قال : حدثنا الحسين وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال : سمعت أبي قال : أخبرنا الحسين بن واقد قالا جميعا ، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال : أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر قال : أشربها يا رسول الله؟ قال : نعم! ، فشربها . [ ص: 528 ]

3018 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يحيى بن واضح قال : حدثنا يونس عن أبيه ، عن عبد الله قال : قال بلال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أوذنه بالصلاة وهو يريد الصوم ، فدعا بإناء فشرب ، ثم ناولني فشربت ، ثم خرج إلى الصلاة .

3019 - حدثني محمد بن أحمد الطوسي قال : حدثنا عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل عن بلال قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أوذنه بصلاة الفجر وهو يريد الصيام ، فدعا بإناء فشرب ، ثم ناولني فشربت ، ثم خرجنا إلى الصلاة . [ ص: 529 ]

قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية ، التأويل الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الخيط الأبيض " بياض النهار ، " والخيط الأسود " سواد الليل . وهو المعروف في كلام العرب ، قال أبو دؤاد الإيادي :

فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا

وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحر ، ثم خرج إلى الصلاة ، فإنه غير دافع صحة ما قلنا في ذلك; لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شرب قبل الفجر ، ثم خرج إلى الصلاة ، إذ كانت الصلاة - صلاة الفجر - هي على عهده كانت تصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبين طلوعه ويؤذن لها قبل طلوعه .

وأما الخبر الذي روي عن حذيفة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مواقع النبل " ، فإنه قد استثبت فيه فقيل له : أبعد الصبح؟ فلم يجب [ ص: 530 ] في ذلك بأنه كان بعد الصبح ، ولكنه قال : " هو الصبح " . وذلك من قوله يحتمل أن يكون معناه : هو الصبح لقربه منه ، وإن لم يكن هو بعينه ، كما تقول العرب : " هذا فلان " شبها ، وهي تشير إلى غير الذي سمته ، فتقول : " هو هو " تشبيها منها له به ، فكذلك قول حذيفة : " هو الصبح " ، معناه : هو الصبح شبها به وقربا منه .

وقال ابن زيد في معنى " الخيط الأبيض والأسود " ما :

3020 - حدثني به يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " قال : " الخيط الأبيض " الذي يكون من تحت الليل ، يكشف الليل - " والأسود " ما فوقه .

وأما قوله : " من الفجر " فإنه تعالى ذكره يعني : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود الذي هو من الفجر . وليس ذلك هو جميع الفجر ، ولكنه إذا تبين لكم أيها المؤمنون من الفجر ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل ، فمن حينئذ فصوموا ، ثم أتموا صيامكم من ذلك إلى الليل .

وبمثل ما قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول .

3021 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " من الفجر " قال : ذلك الخيط الأبيض هو من الفجر نسبة إليه ، وليس الفجر كله ، فإذا جاء هذا الخيط ، وهو أوله ، فقد حلت الصلاة وحرم الطعام والشراب على الصائم .

قال أبو جعفر : وفي قوله تعالى ذكره : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " أوضح [ ص: 531 ] الدلالة على خطأ قول من قال : حلال الأكل والشرب لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس; لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر ، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدا لمن لزمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة .

فمن زعم أن له أن يتجاوز ذلك الحد ، قيل له : أرأيت إن أجاز له آخر ذلك ضحوة أو نصف النهار؟

فإن قال : إن قائل ذلك مخالف للأمة .

قيل له : وأنت لما دل عليه كتاب الله ونقل الأمة مخالف ، فما الفرق بينك وبينه من أصل أو قياس؟

فإن قال : الفرق بيني وبينه أن الله أمر بصوم النهار دون الليل ، والنهار من طلوع الشمس .

قيل له : كذلك يقول مخالفوك ، والنهار عندهم أوله طلوع الفجر ، وذلك هو ضوء الشمس وابتداء طلوعها دون أن يتتام طلوعها ، كما أن آخر النهار ابتداء غروبها دون أن يتتام غروبها .

ويقال لقائلي ذلك إن كان " النهار " عندكم كما وصفتم ، هو ارتفاع الشمس ، وتكامل طلوعها وذهاب جميع سدفة الليل وغبس سواده - فكذلك عندكم " الليل " : هو تتام غروب الشمس ، وذهاب ضيائها ، وتكامل سواد الليل وظلامه؟

فإن قالوا : ذلك كذلك!

قيل لهم : فقد يجب أن يكون الصوم إلى مغيب الشفق وذهاب ضوء الشمس وبياضها من أفق السماء! [ ص: 532 ]

فإن قالوا : ذلك كذلك! أوجبوا الصوم إلى مغيب الشفق الذي هو بياض . وذلك قول إن قالوه مدفوع بنقل الحجة التي لا يجوز فيما نقلته مجمعة عليه الخطأ والسهو [ وكفى بذلك شاهدا ] على تخطئته .

وإن قالوا : " بل أول الليل " ابتداء سدفته وظلامه ومغيب عين الشمس عنا .

قيل لهم : وكذلك " أول النهار " : طلوع أول ضياء الشمس ، ومغيب أوائل سدفة الليل .

ثم يعكس عليه القول في ذلك ، ويسأل الفرق بين ذلك ، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .

وأما " الفجر " فإنه مصدر من قول القائل : " تفجر الماء يتفجر فجرا " ، إذا انبعث وجرى ، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس " فجر " ، لانبعاث ضوئه عليهم ، وتورده عليهم بطرقهم ومحاجهم ، وتفجر الماء المتفجر من منبعه .

وأما قوله : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " فإنه تعالى ذكره حد الصوم بأن آخر وقته إقبال الليل - كما حد الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع وأول الصوم بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل ، فدل بذلك على أن لا صوم بالليل ، كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم وعلى أن المواصل مجوع نفسه في غير طاعة ربه . كما : - [ ص: 533 ]

3022 - حدثنا هناد قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع وعبدة ، عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عاصم بن عمر عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس ، فقد أفطر الصائم . .

3023 - حدثنا هناد قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا أبو إسحاق الشيباني وحدثنا هناد بن السري قال : حدثنا أبو عبيدة وأبو معاوية عن الشيباني وحدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو معاوية وحدثني أبو السائب قال : حدثنا ابن إدريس عن الشيباني قالوا جميعا في حديثهم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وهو صائم ، فلما غربت الشمس قال لرجل : انزل فاجدح لي . قالوا : لو أمسيت يا رسول الله! فقال : انزل فاجدح . فقال الرجل : يا رسول الله لو أمسيت! قال : انزل فاجدح لي . قال : يا رسول الله إن علينا نهارا! فقال له الثالثة ، فنزل فجدح له . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل من هاهنا - وضرب بيده نحو المشرق - فقد أفطر الصائم . [ ص: 534 ]

3024 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا داود عن رفيع قال : فرض الله الصيام إلى الليل ، فإذا جاء الليل فأنت مفطر إن شئت فكل ، وإن شئت فلا تأكل .

3025 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا داود عن أبي العالية : أنه سئل عن الوصال في الصوم فقال : افترض الله على هذه الأمة صوم النهار ، فإذا جاء الليل فإن شاء أكل ، وإن شاء لم يأكل .

3026 - حدثني يعقوب قال : حدثني ابن علية عن داود بن أبي هند قال : قال أبو العالية في الوصال في الصوم ، قال : قال الله : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " فإذا جاء الليل فهو مفطر ، فإن شاء أكل ، وإن شاء لم يأكل .

3027 - حدثني المثنى قال : حدثنا ابن دكين عن مسعر عن قتادة قال : قالت عائشة : أتموا الصيام إلى الليل - يعني : أنها كرهت الوصال . [ ص: 535 ]

قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما وجه وصال من واصل؟ فقد علمت بما :

3028 - حدثكم به أبو السائب قال : حدثنا حفص عن هشام بن عروة قال : كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام ، فلما كبر جعلها خمسا ، فلما كبر جدا جعلها ثلاثا .

3029 - حدثنا أبو السائب قال : حدثنا حفص عن عبد الملك قال : كان ابن أبي يعمر يفطر كل شهر مرة .

3030 - حدثنا ابن أبي بكر المقدمي قال : حدثنا الفروي قال : سمعت مالكا يقول : كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان لا يفطر بينهما ، فلقيته فقلت له : يا أبا الحارث ماذا تجده يقويك في وصالك؟ قال : السمن أشربه أجده يبل عروقي ، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي .

وما أشبه ذلك ممن فعل ذلك ، ممن يطول بذكرهم الكتاب؟

قيل : وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة لنفسه والقوة لا على طلب البر لله بفعله . وفعلهم ذلك نظير ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله :

" اخشوشنوا وتمعددوا ، وانزوا على الخيل نزوا ، واقطعوا الركب وامشوا حفاة " . [ ص: 536 ]

يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم ، لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خفض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبنوا ويحتموا عن أعدائهم .

وقد رغب - لمن واصل - عن الوصال كثير من أهل الفضل :

3032 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا سفيان عن أبي إسحاق : أن ابن أبي نعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقوم ، فقال عمرو بن ميمون : لو أدرك هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجموه .

ثم في الأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الوصال التي يطول بإحصائها الكتاب تركنا ذكر أكثرها استغناء بذكر بعضها ، إذ كان في ذكر ما ذكرنا مكتفى عن الاستشهاد على كراهة الوصال بغيره .

3033 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال : أخبرني نافع عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، قالوا : إنك تواصل يا رسول الله! قال : إني لست كأحد منكم ، إني أبيت أطعم وأسقى .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذن بالوصال من السحر إلى السحر .

3034 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال : حدثنا [ ص: 537 ] شعيب عن الليث عن يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تواصلوا ، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر . قالوا : يا رسول الله ، إنك تواصل! قال : إني لست كهيئتكم ، إني أبيت لي مطعم يطعمني ، وساق يسقيني .

3035 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا أبو إسرائيل [ ص: 538 ] العبسي عن أبي بكر بن حفص عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة : أنها مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر ، فدعاها إلى الطعام فقالت : إني صائمة ، قال : وكيف تصومين؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أين أنت من وصال آل محمد صلى الله عليه وسلم من السحر إلى السحر . .

فتأويل الآية إذا : ثم أتموا الكف عما أمركم الله بالكف عنه ، من حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى الليل ، ثم حل لكم ذلك بعده إلى مثل ذلك الوقت . كما :

3036 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " قال : من هذه الحدود الأربعة ، فقرأ : " أحل لكم [ ص: 539 ] ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " فقرأ حتى بلغ : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث