الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

والكلام في الغسل يقع في مواضع : في بيان أنه واجب ، وفي بيان كيفية وجوبه ، وفي بيان كيفية الغسل ، وفي بيان شرائط وجوبه ، وفي بيان من يغسل ومن لا يغسل .

أما الأول فالدليل على وجوبه النص ، والإجماع ، والمعقول أما النص فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { للمسلم على المسلم ست حقوق } وذكر من جملتها أن يغسله بعد موته وعلى : كلمة إيجاب .

وروي أنه لما توفي آدم - صلوات الله عليه - غسلته الملائكة ثم قالت لولده هذه سنة موتاكم ، والسنة المطلقة في معنى الواجب ، وكذا الناس توارثوا ذلك من لدن آدم صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فكان تاركه مسيئا لتركه السنة المتوارثة ، والإجماع منعقد على وجوبه .

وأما المعقول فقد اختلفت فيه عبارات مشايخنا ، ذكر محمد بن شجاع البلخي أن الآدمي لا يتنجس بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزائه كرامة له ; لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت ، والآدمي يطهر بالغسل ، حتى روي عن محمد أن الميت لو وقع في البئر قبل الغسل يوجب تنجيس البئر .

ولو وقع بعد الغسل لا يوجب تنجسه فعلم أنه لم يتنجس بالموت ولكن وجب غسله للحدث ; لأن الموت لا يخلو عن سابقة حدث لوجود استرخاء المفاصل ، وزوال العقل ، والبدن في حق التطهير لا يتجزأ فوجب غسله كله ، إلا أنا اكتفينا بغسل هذه الأعضاء الظاهرة حالة الحياة دفعا للحرج لغلبة وجود الحدث في كل وقت ، حتى إن خروج المني عن شهوة لما كان لا يكثر وجوده لم يكتف فيه إلا بالغسل ولا حرج بعد الموت فوجب غسل الكل .

وعامة مشايخنا قالوا : إن بالموت يتنجس الميت لما فيه من الدم المسفوح كما يتنجس سائر الحيوانات التي لها دم سائل بالموت ، ولهذا لو وقع في البئر يوجب تنجسه إلا أنه إذا غسل يحكم بطهارته كرامة له فكانت الكرامة عندهم في [ ص: 300 ] الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر في الجملة ، وهو الغسل لا في المنع من حلول النجاسة ، وعند البلخي الكرامة في امتناع حلول النجاسة وحكمها ، وقول العامة أظهر ; لأن فيه عملا بالدليلين : إثبات النجاسة عند وجود سبب النجاسة ، والحكم بالطهارة عند وجود ما له أثر في التطهير في الجملة .

ولا شك أن هذا في الجملة أقرب إلى القياس من منع ثبوت الحكم أصلا مع وجود السبب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث