الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جواز شرط الخيار للعاقدين ولأحدهما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - ( وإن شرط الخيار لأجنبي ففيه قولان ( أحدهما ) لا يصح لأنه حكم من أحكام العقد فلا يثبت لغير المتعاقدين كسائر الأحكام ( والثاني ) يصح ، لأنه جعل إلى شرطهما للحاجة ، وربما دعت الحاجة إلى شرطه للأجنبي بأن يكون أعرف بالمتاع منهما فإن شرطه للأجنبي ( وقلنا ) : إنه يصح فهل يثبت له ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يثبت له ، لأنه إذا ثبت للأجنبي من جهته فلأن يثبت له أولى ( والثاني ) لا يثبت ، لأن ثبوته بالشرط فلا يثبت إلا لمن شرط له ، قال الشافعي - رحمه الله - في الصرف : إذا اشترى بشرط الخيار على أن لا يفسخ حتى يستأمر فلانا لم يكن له أن يفسخ حتى يقول : استأمرته فأمرني بالفسخ فمن أصحابنا من قال : له أن يفسخ من غير إذنه ، لأن له أن يفسخ من غير شرط الاستئمار ، فلا يسقط حقه بذكر الاستئمار ، وتأول ما قاله على أنه أراد أنه لا يقول : استأمرته إلا بعد أن يستأمره لئلا يكون كاذبا ( ومنهم ) من حمله على ظاهره ، أنه لا يجوز أن يفسخ لأنه ثبت بالشرط ، فكان على ما شرط )

التالي السابق


( الشرح ) قال أصحابنا : يجوز شرط الخيار للعاقدين ولأحدهما بالإجماع ، فإن شرطه لأجنبي فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) باتفاق الأصحاب يصح البيع والشرط ، وهو الأشهر من نصوص الشافعي - رحمه الله - ، نص عليه في الإملاء وفي الجامع الكبير ، وبه قطع الغزالي وغيره ، ونقل إمام الحرمين في النهاية اتفاق الأصحاب عليه ، ولم يذكر فيه خلافا ، وليس كما ادعى ( والقول الثاني ) أن البيع باطل ، وحكى الماوردي عن ابن سريج وجها أن البيع صحيح والشرط باطل ، قال : وعلى هذا وجهان ( أحدهما ) يكون البيع لازما لا خيار فيه ( والثاني ) أن بطلان الخيار يختص بالأجنبي ، فيصح البيع ويثبت الخيار [ ص: 234 ] للعاقد ، وكل هذا ضعيف والمذهب : الأول ، قال أصحابنا : ولو باع عبدا بشرط الخيار للعبد ففيه القولان ( أصحهما ) يصح البيع والشرط ، لأنه أجنبي من العقد فأشبه غيره ، وأطلق ابن القاص أنه لا يصح في صورة العبد ، قال القاضي أبو الطيب وغيره : وهو تفريع منه على قولنا : لا يصح شرطه لأجنبي ، فأما إذا صححناه للأجنبي فيصح للعبد ، والله أعلم .

قال أصحابنا : ولا فرق على القولين بين أن يشترطا جميعا أو أحدهما الخيار لشخص واحد ، أو يشرط أحدهما لواحد والآخر لآخر ، فلو شرطه أحدهما لزيد من جهته ، وشرطه الآخر لزيد أيضا من جهته ، صح على قولنا بصحته للأجنبي ، قال المتولي : والفرق بينه وبين الوكيل الواحد في طرفي البيع والشراء أن عقد البيع لا يجوز أن ينفرد به أحدهما ، فلا ينفرد وكيلهما ( وأما ) الفسخ والإجازة فينفرد به أحدهما فانفرد به وكيلهما ، قال المتولي وغيره : وإذا شرطه لأجنبي وصححناه لا يشترط فيه قبول الأجنبي باللفظ بل يكون امتثاله قولا ، كما لو قال : بع مالي فإنه يكفي في قبول الوكالة إقدامه على البيع ، قالوا : ويشترط أن لا يصرح بالرد . قال أصحابنا : ( فإذا قلنا ) بالأصح : إنه يثبت الخيار للأجنبي المشروط له فهل يثبت للشارط أيضا ؟ فيه خلاف مشهور ذكره المصنف بدليله ، ثم إن المصنف وجماعة حكوه وجهين وحكاه المتولي وآخرون قولين ( أحدهما ) يثبت له أيضا وصححه الروياني ( وأصحهما ) عند الجمهور لا يثبت ، وهذا ظاهر نصه في الصرف ، وفي الإملاء ، لأنه قال في الإملاء : من باع سلعة على رضاء غيره كان للذي شرط له الرضا الرد ، ولم يكن للبائع ، قال أصحابنا : فإن لم نثبته للشارط مع الأجنبي بل خصصنا به الأجنبي فمات الأجنبي في زمن الخيار ، فهل يثبت الآن للشارط ؟ فيه وجهان حكاهما البغوي وآخرون ( أصحهما ) عند البغوي والرافعي وغيرهما : يثبت كما يثبت للوارث ( والثاني ) لا ، لأنه ليس بوارث ، [ ص: 235 ] وبهذا جزم صاحب البحر ، والمذهب الأول .

قال أصحابنا : وإذا أثبتنا الخيار للأجنبي والشارط جميعا فلكل واحد منهما الاستقلال بالفسخ فلو فسخ أحدهما واختار الآخر قدم الفسخ ، والله أعلم .

( أما ) إذا اشترى شيئا على أن يؤامر فلانا فيأتي به من الفسخ والإجازة فقد نص الشافعي - رحمه الله - في كتاب الصرف على أن البيع صحيح وأنه ليس له أن يفسخ حتى يقول : استأمرته فأمرني بالفسخ وتكلم الأصحاب في النص من وجهين ( أحدهما ) أنه له إذا شرط أن يقول : استأمرته ، وأي مدخل لو أمر به مع أنه لا خيار له ، واختلفوا في جواب هذا ، وقال القائلون بالأصح في الصورة السابقة : إن الخيار المشروط للأجنبي يختص بالأجنبي ، هذا جواب على المذهب الذي بيناه ومؤيديه ، وقال الآخرون : هو مذكور احتياطا ، ولا يشترط استئماره ، وإنما أراد الشافعي أنه لا يقول : استأمرته إلا بعد الاستئمار ولئلا يكون كاذبا ، ونقل الماوردي هذا عن أبي إسحاق المروزي والبصريين كافة ، والجواب الأول أصح ، وأقرب إلى ظاهر النص ، لأنه قال : لم يكن له أن يفسخ ولم يقل : لم يجز له أن يكذب .

( الاعتراض الثاني ) أنه أطلق في التصوير شرط المؤامرة ، ولم يقيده بثلاثة أيام فما دونها ، واختلفوا في جوابه على وجهين حكاهما البغوي والروياني وآخرون ( الصحيح ) منهما باتفاقهم ، وبه قطع الجمهور أنه محمود على ما إذا قيد ذلك بالثلاثة ، فإن أطلق لم يصح البيع ( والثاني ) يحتمل الإطلاق والزيادة على الثلاثة ، كخيار الرؤية في بيع الغائب - إذا جوزناه - فإنه تجوز الزيادة فيه على الثلاثة ، والمذهب : الأول قال البغوي : وإذا شرط المؤامرة ثلاثة أيام فمضت الثلاثة ولم يؤامره أو آمره ولم يشر بشيء ، لزم العقد ولا ينفرد هو بالفسخ والإمضاء في مدة الثلاثة حتى يؤامره . والله أعلم . [ ص: 236 ] فرع ) إذا شرط الخيار لأجنبي وقلنا : يصح شرطه له ، وثبت له ولهما فتبايعا بشرط الخيار لأجنبي وصرحا بنفيه عن أنفسهما ، ففي صحة هذا الشرط والنفي وجهان ، حكاهما إمام الحرمين ( أحدهما ) يصح اتباعا للشرط ( والثاني ) لا يصح والأول أصح

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث