الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب الإجارة )

بتثليث الهمزة والكسر أفصح من آجره بالمد إيجارا وبالقصر يأجره بكسر الجيم وضمها أجرا هي لغة اسم للأجرة ثم اشتهرت في العقد وشرعا تمليك منفعة بعوض بالشروط الآتية منها علم عوضها وقبولها للبذل والإباحة ، فخرج بالأخير نحو منفعة البضع على أن الزوج لم يملكها وإنما ملك أن ينتفع بها وبالعلم المساقاة والجعالة كالحج بالرزق فإنه لا يشترط فيهما علم العوض وإن كان قد يكون معلوما كمساقاة على ثمرة موجودة وجعالة على معلوم فاندفع ما للشارح هنا والأصل فيها قبل الإجماع آيات منها { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ومنازعة الإسنوي في الاستدلال بها مردودة إذ مفادها وقوع الإرضاع للآباء [ ص: 122 ] وهو يستلزم الإذن لهن فيه بعوض وإلا كان تبرعا ، وهذا الإذن بالعوض هو الاستئجار الذي هو تملك المنفعة بعوض إلخ ويدل له أيضا وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى الطلاق إلى آخر الآية ولك أن تقول إن أراد المنازعة على أصل الإيجار فرده بما ذكروا واضح أو مع الإيجاب والقبول لم يصلح ذلك لرده إذ لا دلالة فيها على القبول لفظا بوجه وكون ما مر من الدليل على الصيغة في البيع يأتي هنا ؛ لأنها نوع منه لا يمنع النزاع في الاستدلال بها وحدها على ذلك وأحاديث منها { استئجاره صلى الله عليه وسلم هو والصديق دليلا في الهجرة وأمره صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة } والحاجة بل الضرورة داعية إليها وأركانها صيغة وأجرة ومنفعة وعاقد ولكونه الأصل بدأ به فقال ( شرطهما ) أي المؤجر والمستأجر الدال عليهما لفظ الإجارة

( كبائع ومشتر ) لأنها صنف من البيع فاشترط في عاقدها ما يشترط في عاقده مما مر كالرشد وعدم الإكراه بغير حق نعم يصح استئجار كافر لمسلم ولو إجارة عين لكنها مكروهة ومن ثم أجبر فيها [ ص: 123 ] على إيجاره لمسلم وإيجار سفيه نفسه لما لا يقصد من عمله كالحج ؛ لأنه لا يجوز له التبرع به على ما مر فيه ويصح بيع السيد قنه نفسه لا إجارته إياها ؛ لأن بيعه يؤدي لعتقه فاغتفر فيه ما لا يغتفر في الإجارة إذ لا تؤدي لذلك ، ولو كان للوقف ناظران فآجر أحدهما الآخر أرضا للوقف صح إن استقل كل منهما وإلا فلا كما بحثه أبو زرعة وفرق بينه وبين وصيين اشترط اجتماعهما على التصرف في مال محجوريهما لأحدهما أن يشتري من الآخر لمحجوره عينا للآخر بوجود الغرض هنا من اجتماعهما مع عدم التهمة بوقوع التصرف للغير بخلافه ثم فإنه يقع للمباشر مع اتحاد الموجب والقابل لتوقف الإيجاب على مباشرته أو إذنه .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( كتاب الإجارة )

( قوله فإنه لا يشترط فيهما علم العوض ) لقائل أن يقول هذا لا يطابق ما أفاده التعريف المذكور ؛ لأن حاصل هذا أن قيد التعريف اشتراط علم لعوض وحاصل التعريف أنه نفس العلم ألا ترى إلى قوله منها أي [ ص: 122 ] الشروط الآتية علم عوضها ولم يقل منها اشتراط علم عوضها فجعل الشرط العلم لا اشتراطه فقوله بالشروط الآتية معناه مع المشترطات الآتية وما ذكرنا أن حاصل التعريف هو صريح تعبيرهم في التعريف بقوله واللفظ لشرح الروض بعوض معلوم ا هـ ، وحينئذ فشمول التعريف للمساقاة والجعالة إذا كان العوض فيهما معلوما مما لا شبهة فيه فلم يندفع ما للشارح المشار إليه اللهم إلا أن يريد بقوله منها علم عوضها منها شرط علم عوضها حتى يكون القيد شرط علم العوض لا علم العوض فيتم ما قاله إن كان التعريف الذي أورد عليه ذلك الشارح جعل القيد فيه شرط العلم لا نفسه فليراجع على أن الظاهر عدم صحة الإرادة المذكورة ؛ لأن الشرط علم العوض لا اشتراطه بدليل أنه لو ذكر عوض معلوم كفى ، وإن لم يشترطه فإن قيل ذكره اشتراط له قلنا هذا موجود في المساقاة والجعالة قطعا فلا يفيد إرادة ذلك شيئا فظهر عدم الاندفاع مطلقا فتأمله

نعم إن أريد بعلم العوض كونه علمه مما لا بد منه ثم الاندفاع ، إلا أن حمل العبارة على هذا المعنى في غاية التعسف الذي لا يناسب التعريف ؛ لأنه لا يفهم من اللفظ ولا قرينة عليه بوجه فليتأمل ( قوله وهو يستلزم الإذن لهن فيه بعوض إلخ ) فيه بحث لأنه إن أراد أن وقوع الإرضاع للآباء مطلقا يستلزم الإذن المذكور فغير صحيح لإمكان وقوعه لهم بالإذن بلا عوض أو مطلقا ، وإن أراد أن وقوعه لهم يفيد استحقاق الأجرة عليه فهذا أول المسألة ، كما أن قوله وإلا كان تبرعا أول المسألة أيضا فتأمله ليظهر لك من هذا وأمثاله ما جرت به عادته من المبالغة على الأئمة بما لا يصح به المبالغة أو بما هو أوهن من بيت العنكبوت ا هـ .

( قوله إذ لا دلالة فيها على القبول لفظا إلخ ) وأيضا فقد علق في الآية إيتاء الأجر على الإرضاع فدل على أنه لا عقد وإلا وجب الإيتاء بالعقد ؛ لأن الأجرة تملك وتستحق بالعقد على ما قرروه ( قوله في المتن شرطهما كبائع ومشتر ) قال الزركشي وعلم منه أنه لا تصح إجارة الأعمى ؛ لأنه لا يصح بيعه نعم له أن يؤجر نفسه كما للعبد الأعمى أن يشتري نفسه ، قاله في الروضة وشرح المهذب في كتاب البيع وكذا للغير أن يستأجر ذمته ؛ لأنها سلم انتهى ( قوله لكنها مكروهة ) أي إجارة العين وقوله أجبر [ ص: 123 ] فيها أي في إجارة العين أيضا ش ( قوله فآجر أحدهما الآخر أرضا ) أي آجرها الآخر لنفس ذلك الآخر وحاصله أن أحدهما استأجرها لنفسه من الآخر ( قوله وفرق بينه ) أي عدم الصحة المذكورة بقوله وإلا فلا ش ( قوله لتوقف الإيجاب على مباشرته أو إذنه ) فالقابل قابل بنفسه وموجب بنائبه .



حاشية الشرواني

( كتاب الإجارة )

( قوله بتثليث الهمزة ) إلى المتن في النهاية إلا قوله من آجره إلى هي لغة وقوله كالحج بالرزق وقوله ولك إلى وأحاديث ( قوله ثم اشتهرت إلخ ) أي لغة على وجه المجاز بدليل قوله وشرعا إلخ ا هـ ع ش ( قوله علم عوضها ) يعني عوض الإجارة الشامل للمنفعة والأجرة أما ضمير قبولها فللمنفعة ولك أن تقول إن ضمير عوضها للمنفعة أيضا إذ لو كان للإجارة فلا ترد المساقاة أصلا ؛ لأن أحد العوضين فيها وهو العمل لا يكون إلا مجهولا ا هـ رشيدي ( قوله وقبولها ) عطف على علم إلخ ( قوله للبذل ) بالذال المعجمة أي الإعطاء ( قوله والإباحة ) عطف تفسير على البذل ا هـ ع ش ( قوله بالأخير ) أي بشرط قبولها إلخ ( قوله نحو منفعة البضع ) فلا تصح إجارة الجواري للوطء ا هـ ع ش ( قوله على أن الزوج إلخ ) أي فخرج عقد نكاح بتمليك منفعة ( قوله أن ينتفع بها ) الأولى به أي البضع ( قوله وبالعلم ) أي خرج بشرط علم العوض ( قوله كالحج بالرزق ) مثال الجعالة

( قوله فإنه لا يشترط فيهما علم إلخ ) فيه أنه لا يلزم من عدم الاشتراط اشتراط العدم فإشكال الشارح الآتي منع التعريف بنحو الجعالة على عوض معلوم على حاله لا يندفع بذلك عبارة ع ش حاصل الجواب أن العلم بالعمل والعوض شرط في الإجارة وليس ذلك شرطا في المساقاة والجعالة وإن اتفق وجوده واعترض سم على حج على هذا الجواب بأن عدم الاشتراط لا دخل له في دفع الاعتراض ؛ لأنه متى دخل في التعريف فرد من غيره لم يكن مانعا انتهى ا هـ .

( قوله وإن كان ) أي العوض ا هـ ع ش ( قوله هو يستلزم إلخ ) فيه بحث [ ص: 122 ] لأنه إن أراد أن وقوع الإرضاع للآباء مطلقا يستلزم الإذن المذكور فغير صحيح لإمكان وقوعه لهم بالإذن بلا عوض ، وإن أراد أن وقوعه لهم يفيد استحقاق الأجرة عليه فهذا أول المسألة كما أن قوله وإلا كان تبرعا أول المسألة أيضا ا هـ سم

( قوله وإلا ) أي وإن يوجد الإذن بعوض ( كان تبرعا ) أي الإرضاع ( قوله هو الاستئجار إلخ ) في هذا الحصر بالنسبة إلى قوله إلى آخره نظر ( قوله ويدل له ) أي لعقد الإجارة ومشروعيته ( قوله مع الإيجاب إلخ ) أي والشروط و ( قوله على القبول إلخ ) أي والشروط ( قوله إذ لا دلالة فيها على القبول إلخ ) وأيضا فقد علق في الآية إيتاء الأجر على الإرضاع فدل على أنه لا عقد وإلا وجب الإيتاء بالعقد ؛ لأن الأجرة تملك وتستحق بالعقد على ما قرره ا هـ سم ( قوله على الصيغة في البيع ) أي على اعتبار الصيغة وركنيته في البيع ( قوله يأتي هنا ) خبر للكون من حيث مصدريته و ( قوله لأنها نوع منه ) متعلق بيأتي و ( قوله لا يمنع إلخ ) خبر للكون من حيث ابتداؤه ( قوله والصديق ) مفعول معه ويصح أن يكون معطوفا على الضمير فهو بالجر ا هـ ع ش أي بلا إعادة الخافض على مذهب الكوفيين وابن مالك ( قوله دليلا في الهجرة ) أي ليدلهم على طريق المدينة عبارة النهاية والمغني وغيرهما رجلا من بني الديل يقال له عبد الله بن الأريقط ا هـ قال ع ش الديل بكسر الدال وسكون الياء التحتية ، وقيل بضم أوله وكسر ثانيه مهموزا ا هـ

( قوله وأمره إلخ ) عبارة المغني والأسنى وخبر مسلم { أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة } ا هـ .

( قوله بالمؤاجرة ) بالهمز ويجوز إبدال الهمز واوا لكونه مفتوحا بعد ضمة ا هـ ع ش ( قوله إليها ) أي الإجارة ( قوله أي المؤجر ) إلى قوله لأن بيعه في المغني وإلى قوله وفرق في النهاية قول المتن ( كبائع ومشتر ) أي كشرطهما وعلم من قوله كبائع أن الأعمى لا يكون مؤجرا وإن جاز له إجارة نفسه ا هـ مغني زاد سم عن الزركشي وكذا للغير أن يستأجر ذمة الأعمى ؛ لأنها سلم ا هـ زاد ع ش وقياس ما في السلم من جواز كونه مسلما ومسلما إليه جواز أن يلزم ذمة الغير هنا أيضا ا هـ .

( قوله نعم يصح استئجار إلخ ) استثناء من طرد المتن و ( قوله الآتي ويصح بيع السيد إلخ ) من عكسه ( قوله لكنها مكروهة إلخ ) أي إجارة العين سم و ع ش

( قوله ومن ثم أجبر [ ص: 123 ] إلخ ) مجرد الكراهة لا يستلزم الإجبار فكان الأولى أن يقول ومع ذلك يجبر على إيجاره ا هـ ع ش ( قوله على إيجاره إلخ ) ولو لم يفعل وخدمه بنفسه استحق الأجير المسماة ا هـ ع ش ( قوله وإيجار سفيه إلخ ) عطف على استئجار إلخ ( قوله لما لا يقصد إلخ ) بأن يكون غنيا بماله عن كسب يصرفه على مؤنته أو مؤنة ممونه ا هـ ع ش ( قوله فآجر أحدهما الآخر أرضا ) حاصله أن أحدهما استأجرها لنفسه من الآخر ( قوله وفرق بينه ) أي بين عدم الصحة المذكور بقوله وإلا فلا ( قوله لأحدهما إلخ ) استئناف بياني ، ولو قال حيث صح لأحدهما إلخ لكان أوضح ( قوله لمحجوره ) الأولى تثنية الضمير أو إبدال أل منه ( قوله للآخر ) نعت عينا ( قوله بوجود الفرض ) بالفاء والجار متعلق بفرق ( قوله للغير ) وهو المحجور ( قوله لتوقف الإيجاب إلخ ) فالقابل قابل بنفسه وموجب بنائبه ا هـ سم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث