الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قلت: وهذا الاعتراض فاسد جدا، وبيان فساده من وجوه: [ ص: 217 ]

أحدها: أن يقال: هو اعتراض على قولهم: مجموع العلل الممكنة ممكن لافتقار المجموع إلى الآحاد الممكنة، ولا يجوز أن يكون المؤثر في المجموع واحدا من العلل الممكنة، لأن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل، فامتنع أن يكون مؤثرا في المجموع، فقال المعترض: إنما يلزم هذا أن لو كان علة المجموع علة لكل واحد من أجزائه، فلم قلتم: إنه كذلك؟

فيقال له: أولا: نحن لا نعني بالمجموع مجرد الهيئة الاجتماعية، بل نعني به كل واحد من الأفراد والهيئة الاجتماعية، وحينئذ فتكون علة المجموع علة كل واحد من أجزائه، وهذا معلوم بالضرورة، فإن المؤثر إذا كان مؤثرا في مجموع الآحاد مع الهيئة الاجتماعية فقد أثر في كل جزء من أجزائه، فإنه لو لم يؤثر في كل جزء من الأجزاء لجاز انتفاء ذلك الجزء، وإذا انتفى انتفى المجموع، والتقدير أنه أثر في المجموع بحيث جعل المجموع موجودا، والمجموع هو الأفراد والهيئة الاجتماعية، فلو قدر أنه غير موجود لزم الجمع بين النقيضين، وهو الممتنع. وهذا الممتنع لزم من تقدير كونه مؤثرا في المجموع، بحيث جعل المجموع موجودا مع تقدير عدم بعض أجزاء المجموع، فعلم أنه يستلزم من كونه أثر في المجموع وجود [ ص: 218 ] المجموع، ويلزم من وجود المجموع أنه لا ينتفي شيء من أجزائه، فعلم أن ما استلزم ثبوت المجموع استلزم ثبوت كل من أجزائه، وإن لم يكن المستلزم علة فاعلة، فكيف إذا كان المستلزم علة فاعلة؟! فتبين أن ثبوت العلة الفاعلة للمجموع يتضمن أن يكون علة لكل من أجزائه، ولو تخيل متخيل أن الواحد من الجملة علة لسائر الأجزاء، والأجزاء علة للمجموع، أو أنه علة للمجموع، والمجموع علة للآحاد، فيكون ذلك الواحد علة العلة. قلنا: هذا لا يضر لأن علة العلة علة، وكما يمتنع في الواحد أن يكون علة نفسه، فيمتنع أن يكون أن يكون علة نفسه بطريق الأولى، فلو كان بعض الأجزاء علة للمجموع، والمجموع علة لكل من الأجزاء أو بالعكس، لزم أن يكون ذلك الجزء علة علة نفسه، وعلة علة علل نفسه، وهو ما قبل ذلك الجزء من العلل التي قدر أنه لا نهاية لها. وهذا بين لا يتصوره أحد إلا يعلم امتناعه بالبديهة، ومن نازع فيه كان إما لعدم تصوره له، وإما لعناده. وحينئذ فيكفي أن يقال: هذا معلوم بالبديهة، فالشبهة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية فلا يستحق جوابا. [ ص: 219 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث