الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا

2851 حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي حدثنا عمي يحيى بن عيسى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا وفي الباب عن سعد وأبي سعيد وابن عمر وأبي الدرداء قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح [ ص: 116 ]

التالي السابق


[ ص: 116 ] قوله : ( لأن يمتلئ ) من الامتلاء ( جوف أحدكم قيحا ) بفتح القاف وسكون التحتية بعدها مهملة ، أي مدة لا يخالطها دم وهو منصوب على التمييز ( خير له من أن يمتلئ ) أي جوفه ( شعرا ) ظاهره العموم في كل شعر ، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحا حقا كمدح الله ورسوله وما اشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه . ويؤيده حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال : ردفت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوما فقال : هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء ؟ قلت نعم ، قال " هيه " ، فأنشدته بيتا فقال " هيه " ثم أنشدته بيتا فقال " هيه " حتى أنشدته مائة بيت . رواه مسلم . قال ابن بطال : ذكر بعضهم أن معنى قوله : ( خير له من أن يمتلئ شعرا ) يعني الشعر الذي هجي به النبي ، صلى الله عليه وسلم . وقال أبو عبيد والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول ; لأن الذي هجي به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو كان شطر بيت لكان كفرا ، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخص في القليل منه ، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه ، فأما إذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوفه ممتلئا من الشعر . قال الحافظ : وأخرج أبو عبيد التأويل المذكور من رواية مجالد عن الشعبي مرسلا ، فذكر الحديث وقال في آخره : يعني من الشعر الذي هجي به النبي ، صلى الله عليه وسلم . وقد وقع لنا ذلك موصولا من وجهين آخرين ، فذكرهما الحافظ وضعفهما .

قلت : والظاهر أن المراد من الامتلاء أن يكون الشعر مستوليا عليه بحيث يشغله عن القرآن والذكر والعلوم الشرعية وهو مذموم من أي شعر كان . وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه على هذا الحديث من رواية ابن عمر وأبي هريرة باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن .

[ ص: 117 ] قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه مسلم وابن ماجه .

قوله : ( حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي ) النهشلي الكوفي صدوق من الحادية عشرة ( أخبرنا عمي يحيى بن عيسى ) التميمي النهشلي الفاخوري بالفاء والحاء المعجمة الكوفي نزيل الرملة صدوق يخطي ورمي بالتشيع من التاسعة .

قوله : ( يريه ) بفتح ياء وكسر راء وسكون ياء أخرى صفة قيح ، أي يفسده من الوري وهو داء يفسد الجوف ومعناه قيحا يأكل جوفه ويفسده ، وقيل أي يصل إلى الرئة ويفسدها . ورد بأن المشهور في الرئة الهمز ( أن يمتلئ ) أي جوفه ، قال ابن أبي حمزة : قوله ( جوف أحدكم ) ، يحتمل أن يكون المراد جوفه كله وما فيه من القلب وغيره ، ويحتمل أن يريد به القلب خاصة وهو الأظهر ; لأن أهل الطب يزعمون أن القيح إذا وصل إلى القلب شيء منه ، وإن كان يسيرا ، فإن صاحبه يموت لا محالة بخلاف غير القلب مما في الجوف من الكبد والرئة . قال الحافظ : ويقوي الاحتمال الأول رواية عوف بن مالك : لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته وتظهر مناسبته للثاني لأن مقابله وهو الشعر محله القلب ; لأنه ينشأ عن الفكر . وأشار ابن أبي جمرة إلى عدم الفرق في امتلاء الجوف من الشعر بين من ينشئه أو يتعانى حفظه من شعر غيره كما هو ظاهر .

قوله : ( وفي الباب عن سعد وابن عمر وأبي الدرداء ) أما حديث سعد فالظاهر أنه أراد حديثا آخر له غير حديثه المذكور ، ولينظر من أخرجه ، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم ، وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري والطحاوي ، وأما حديث أبي الدرداء فأخرجه الطبراني .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان وابن ماجه .

[ ص: 118 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث