الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاحتجاج بشهادة العقل وحده باطلة

الثالث والعشرون : وهو أن الأدلة السمعية نوعان : نوع دل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي ، فهو عقلي سمعي ، فمن هذا غالب أدلة النبوة والمعاد والصفات والتوحيد ، وما لا يقوم التنبيه على الدليل العقلي منه فهو يسير جدا ، وإذا تدبرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه ، وهذا النوع يمتنع أن يقوم دليل صحيح على معارضته لاستلزامه مدلوله وانتقال الذهن فيه من الدليل إلى المدلول ضرورة وهو أصل النوع الثاني الدال بمجرد الخبر ، والقدح في النوعين بالعقل ممتنع بالضرورة : أما الأول فلما تقدم ، وأما الثاني فلاستلزام القدح فيه : القدح في العقل الذي أثبته ، وإذا بطل العقل الذي أثبت السمع بطل ما عارضه من العقليات ، كما تقدم تقريره ، يوضحه :

الوجه الرابع والعشرون : أنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح على إثباتها لله تعالى ، فقد تواطأ عليها دليل العقل والسمع ، فلا يمكن أن يعارض ثبوتها دليل صحيح البتة ، لا عقلي ولا سمعي ، بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا مفترى أو مما أخطأ المعارض به في فهمه ، وإن كان عقليا فهي شبهة خيالية .

واعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي وناف وفيلسوف ، ويعرفها من نور الله قلبه بالإيمان وباشر قلبه معرفة الذي دعت إليه الرسل وأقرت به الفطر ، وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة لا المنكوسة المركوسة ، وقد نبه سبحانه في كتابه على ذلك في غير موضع ، وبين أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا يستحقه سواه ، فجاحده جاحد لكمال الرب تعالى ، فإنه تمدح بكل صفة وصف بها نفسه وأثنى بها على نفسه ، ومجد بها نفسه ، وحمد بها نفسه ، فذكرها سبحانه على وجه المدحة له [ ص: 127 ] والتعظيم والتمجيد ، وتعرف بها إلى عباده ليعرفوا كماله ومجده وعظمته وجماله ، وكثيرا ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه .

فذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ونفوذ مشيئته ما هو منتف عن آلهتهم ، فيكون ذلك من أدل دليل على بطلان إلهيتها وفساد عبادتها ، ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره وعبادته ، فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجدون قلوبهم إلى المبادرة إلى دعوته والمسارعة إلى طاعته ، ويذكر صفاته لهم عند ترغيبهم وترهيبهم لتعرف القلوب من تخافه وترجوه ، ويذكر صفاته أيضا عند أحكامه وأوامره ونواهيه ، فقل أن تجد آية حكم من أحكام المكلفين إلا وهي مختتمة بصفة من صفاته أو صفتين ، وقد يذكر الصفة في أول الآية ووسطها وآخرها كقوله : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ) ويذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله صلى الله عليه وسلم عنه ، ويذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه ، حتى إن الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه وصفاته ، فذكر أسمائه روحها وسرها ، يصحبها من أولها إلى آخرها ، وإنما أمر بإقامتها ليذكر بأسمائه وصفاته ، وأمر عباده أن يسألوه بأسمائه وصفاته ، ففتح لهم باب الدعاء رغبا ورهبا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها ، ولهذا كان أفضل الدعاء ما توصل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته .

قال الله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) وكان اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين : آية الكرسي ، وفاتحة آل عمران لاشتمالهما على صفة الحياة المصححة لجميع الصفات ، وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال ، ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها ، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها أخلصت الإخبار عن الرب تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه ، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو : " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت [ ص: 128 ] المنان ، بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا حي يا قيوم " ، وسمع آخر يقول : " اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " فقال لأحدهما : " لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى " . وقال للآخر : " سل تعطه " وذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب وصفاته .

وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أصاب عبد قط هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ، إلا أذهب الله همه وأبدله مكانه فرحا " قالوا : أفلا نتعلمهن يا رسول الله ؟ قال : " بلى ، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن " .

وقد نبه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول ، فاستيقظت للتنبيه العقول الحية ، واستمرت على رقادها العقول الميتة ; فقال في صفة العلم : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) فتأمل صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه باختصار ، وقال : ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) فما أصح هذا الدليل وما أوجزه ، وقال تعالى في صفة الكلام : [ ص: 129 ] ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ) نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم ولا يهدي لا يصلح أن يكون إلها ، وكذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل : ( أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) فجعل امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم ملك الضر والنفع دليلا على عدم الإلهية وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لا بد أن يكلم ويتكلم ويملك لعباده الضر والنفع ، وإلا لم يكن إلها .

وقال تعالى : ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ) نبه بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تتصرف وتتكلم وتعلم أولى أن يكون بصيرا متكلما عالما ، وأي دليل عقلي قطعي أقوى من هذا وأبين وأقرب إلى العقول ؟

وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين : ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها ) فجعل سبحانه عدم البطش والسمع والمشي والبصر لهم دليلا على عدم إلهية من عدمت منه هذه الصفات ، وقد وصف الله سبحانه نفسه بضد صفة أوثانهم ، وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية ، فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان ، وذكر ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات فيها دليلا على عدم إلهيتها .

فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها ، تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المنفرد بذلك الكمال ، فليس له فيه شبيه ولا مثيل ، وأي دليل في العقل أوضح من إثبات الكمال المطلق لخالق هذا العالم ومدبره وملك السماوات والأرض وقيومهما ؟ فإذا لم يكن في العقل إثبات جميع الكمال له فأي قضية تصح في العقل بعد هذا ؟ ومن شك في أن صفة السمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والقدر والغضب والرضى والفرح والرحمة كمال فهو ممن سلب خاصة الإنسانية وانسلخ من العقل ، بل من شك أن إثبات الوجه واليدين وما أثبته لنفسه معهما كمال فهو مصاب في عقله .

ومن شك أن كونه يفعل باختياره ما شاء ويتكلم إذا شاء ، وينزل إلى حيث شاء ، ويجيء إلى حيث شاء غير كمال فهو جاهل بالكمال ، والجماد عنده أكمل من الحي [ ص: 130 ] الذي تقوم به الأفعال الاختيارية ، كما أن عند الجهمي أن الفاقد لصفات الكمال أكمل من الموصوف بهما ، كما أن عند أستاذهما وشيخهما الفيلسوف أن من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا له حياة ولا قدرة ، ولا إرادة ، ولا فعل ولا كلام ، ولا يرسل رسولا ، ولا ينزل كتابا ، ولا يتصرف في هذا العالم بتحويل وتغيير وإزالة ونقل وإماتة وإحياء ، أكمل ممن يتصرف بذلك ، فهؤلاء كلهم قد خالفوا صريح المعقول ، وسلبوا الكمال عمن هو أحق بالكمال من كل ما سواه ، ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصا .

فتأمل نسبتهم الباطلة التي عارضوا بها الوحي ، هل تصادم هذا الدليل الدال على إثبات الصفات والأفعال للرب سبحانه ، ثم اختر لنفسك بعد ما شئت ، وهذا قطرة من بحر نبهنا عليه تنبيها يعلم به اللبيب ما وراءه ، وإلا فلو أعطينا هذا الموضع حقه ، وهيهات أن نصل إلى ذلك ، لكتبنا عدة أسفار ، وكذا كل وجه من هذه الوجوه فإنه لو بسط وفصل لاحتمل سفرا وأكثر ، والله المستعان وبه التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث