الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 503 ] الفصل الثالث في معرفة ما يجوز فيه الأمران جميعا .

وأما ما يجوز فيه الأمران جميعا ( أعني : التفاضل والنساء ، فما لم يكن ربويا عند الشافعي . وأما عند مالك فما لم يكن ربويا ولا كان صنفا واحدا متماثلا ، أو صنفا واحدا بإطلاق على مذهب أبي حنيفة ، ومالك يعتبر في الصنف المؤثر في التفاضل في الربويات ، وفي النساء في غير الربويات اتفاق المنافع ، واختلافها ، فإذا اختلفت جعلها صنفين ، وإن كان الاسم واحدا ، وأبو حنيفة يعتبر الاسم وكذلك الشافعي ، وإن كان الشافعي ليس الصنف عنده مؤثرا إلا في الربويات فقط ( أعني : أنه يمنع التفاضل فيه ) ، وليس هو عنده علة للنساء أصلا ، فهذا هو تحصيل مذاهب هؤلاء الفقهاء الثلاثة في هذه الفصول الثلاث . فأما الأشياء التي لا تجوز فيها النسيئة فإنها قسمان : منها ما لا يجوز فيها التفاضل وقد تقدم ذكرها ، ومنها ما يجوز فيها التفاضل .

فأما الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل : فعلة امتناع النسيئة فيها هو الطعم عند مالك ، وعند الشافعي الطعم فقط ، وعند أبي حنيفة مطعومات الكيل والوزن ، فإذا اقترن بالطعم اتفاق الصنف حرم التفاضل عند الشافعي ، وإذا اقترن وصف ثالث وهو الادخار حرم التفاضل عند مالك ، وإذا اختلف الصنف جاز التفاضل وحرمت النسيئة .

وأما الأشياء التي ليس يحرم التفاضل فيها عند مالك فإنها صنفان : إما مطعومة ، وإما غير مطعومة . فأما المطعومة فالنساء عنده لا يجوز فيها ، وعلة المنع الطعم; وأما غير المطعومة فإنه لا يجوز فيها النساء عنده فيما اتفقت منافعه مع التفاضل ، فلا يجوز عنده شاة واحدة بشاتين إلى أجل إلا أن تكون إحداهما حلوبة والأخرى أكولة ، هذا هو المشهور عنه; وقد قيل : إنه يعتبر اتفاق المنافع دون التفاضل فعلى هذا لا يجوز عنده شاة حلوبة بشاة حلوبة إلى أجل . فأما إذا اختلفت المنافع فالتفاضل والنسيئة عنده جائزان ، وإن كان الصنف واحدا; وقيل : يعتبر اتفاق الأسماء مع اتفاق المنافع ، والأشهر أن لا يعتبر; وقد قيل : يعتبر . وأما أبو حنيفة : فالمعتبر عنده في منع النساء ما عدا التي لا يجوز عنده فيها التفاضل هو اتفاق الصنف اتفقت المنافع ، أو اختلفت ، فلا يجوز عنده شاة بشاة ولا بشاتين نسيئة وإن اختلفت منافعها . وأما الشافعي : فكل ما لا يجوز التفاضل عنده في الصنف الواحد يجوز فيه النساء ، فيجيز شاة بشاتين نسيئة ونقدا ، وكذلك شاة بشاة ، ودليل الشافعي حديث عمرو بن العاص : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة " ، قالوا : فهذا التفاضل في الجنس الواحد مع النساء . وأما الحنفية فاحتجت بحديث الحسن ، عن سمرة : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان " ، قالوا : وهذا يدل على تأثير الجنس على الانفراد في النسيئة . وأما مالك ، فعمدته في مراعاة منع النساء عند اتفاق الأغراض سد الذريعة ، وذلك أنه لا فائدة في ذلك إلا أن يكون من باب سلف يجر نفعا وهو يحرم ، وقد قيل عنه : إنه أصل بنفسه ، وقد قيل عن الكوفيين : إنه لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة اختلف الجنس ، أو اتفق على ظاهر حديث سمرة ، فكأن الشافعي ذهب مذهب الترجيح لحديث عمرو بن العاص ، والحنفية لحديث سمرة مع التأويل له ، [ ص: 504 ] لأن ظاهره يقتضي أن لا يجوز الحيوان بالحيوان نسيئة اتفق الجنس أو اختلف ، وكأن مالكا ذهب مذهب الجمع ، فحمل حديث سمرة على اتفاق الأغراض ، وحديث عمرو بن العاص على اختلافها . وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه ، ولكن صححه الترمذي ، ويشهد لمالك ما رواه الترمذي ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " الحيوان اثنان بواحد ، لا يصلح النساء ولا بأس به يدا بيد " ، وقال ابن المنذر : ثبت " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى عبدا بعبدين أسودين ، واشترى جارية بسبعة أرؤس " ، وعلى هذا الحديث يكون بيع الحيوان بالحيوان يشبه أن يكون أصلا بنفسه لا من قبل سد ذريعة .

واختلفوا فيما لا يجوز بيعه نساء ، هل من شرطه التقابض في المجلس قبل الافتراق سائر الربويات بعد اتفاقهم في اشتراط ذلك في المصارفة لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا تبيعوا منها غائبا بناجز " ، فمن شرط فيها التقابض في المجلس شبهها بالصرف ، ومن لم يشترط ذلك قال : إن القبض قبل التفرق ليس شرطا في البيوع إلا ما قام الدليل عليه ، ولما قام الدليل على الصرف فقط بقيت سائر الربويات على الأصل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث