الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة وبين قاعدة الشك في طريان غيره من الأسباب

( الفرق السابع والتسعون بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة يعتبر عند مالك رحمه الله تعالى وبين قاعدة الشك في طريان غيره من الأسباب والروافع للأسباب لا تعتبر )

اعلم أنه قد وقع في مذهب مالك رحمه الله فتاوى ظاهرها التناقض وفي التحقيق لا تناقض بينها ؛ لأن مالكا قال إذا شك في الحدث بعد الطهارة يجب الوضوء فاعتبر الشك ، وإن شك في الطهارة بعد الحدث فلا عبرة بالطهارة فألغي الشك ، وإن شك هل طلق ثلاثا أو واحدة لزمه الثلاث فاعتبر الشك ، وإن شك هل طلق أم لا لا شيء عليه فألغي الشك ، وإن حلف يمينا وشك في عينها هل هي طلاق أو عتاق أو غيرهما لزمه جميع ما شك فيه فاعتبر الشك ، وإن شك هل سها أم لا لا شيء عليه فألغي الشك ، وإن شك هل صلى ثلاثا أم أربعا جعلها ثلاثا وصلى وسجد بعد السلام [ ص: 164 ] لأجل الشك فاعتبر الشك ، فوقعت هذه الفروع متناقضة كما ترى في الظاهر ، وإذا حققت على القواعد لا يكون بينها تناقض بل القاعدة أن كل مشكوك فيه ملغى فكل سبب شككنا في طريانه لم نرتب عليه مسببه ، وجعلنا ذلك السبب كالعدم المجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم ، وكل شرط شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم ، وكل مانع شككنا في وجوده جعلناه ملغى كالمجزوم بعدمه فيترتب الحكم إن وجد سببه فهذه القاعدة مجمع عليها من حيث الجملة غير أنه قد تعذر الوفاء بها في الطهارات ، وتعين إلغاؤها من وجه واختلفت العلماء رحمهم الله بأي وجه تلغى وإلا فهم مجمعون على اعتبارها فقال الشافعي رضي الله عنه إذا شك في طريان الحدث جعلته كالمجزوم بعدمه .

والمجزوم بعدمه لا يجب معه الوضوء فلا يجب على هذا الشاك الوضوء ، وقال مالك رحمه الله براءة الذمة تفتقر إلى سبب مبرئ معلوم الوجود أو مظنون الوجود ، والشك في طريان الحدث يوجب الشك في بقاء الطهارة ، والشك في بقاء الطهارة يوجب الشك في الصلاة الواقعة هل هي سبب مبرئ أم لا فوجب أن تكون هذه الصلاة كالمجزوم بعدمها ، والمجزوم بعدم الصلاة في حقه يجب عليه أن يصلي فيجب على هذا الشاك أن يصلي بطهارة مظنونة كما قال الشافعي رضي الله عنه حرفا بحرف ، وكلاهما يقول المشكوك فيه ملغى لكن ألغاه مالك في السبب المبرئ وإلغاء الشافعي في الحدث ومذهب مالك أرجح من جهة أن الصلاة مقصد والطهارات وسائل ، وطرح الشك تحقيقا للمقصد أولى من طرحه لتحقيق الوسائل فهذا هو الفرق بين الطهارات يشك فيها وبين غيرها إذا شك فيه ، وأما إذا شك في الطهارة بعد الحدث فالمشكوك فيه ملغى على القاعدة فتجب عليه الطهارة ، وإن شك هل طلق ثلاثا أو واحدة يلزمه الثلاث ؛ لأن الرجعة شرطها العصمة ، ونحن نشك في بقائها فيكون هذا الشرط ملغى على هذه [ ص: 165 ] القاعدة .

وإن شك هل طلق أم لا لا شيء عليه ؛ لأن المشكوك فيه ملغى على القاعدة وإذا شك في عين اليمين لزمه الجميع لأنا نشك إذا اقتصر على بعضها في السبب المبرئ فلعله غير ما وقع فوجب استيعابها حتى يعلم السبب المبرئ كما قلنا في الصلاة إذا شك في طريان الحدث على طهارتها ، وإن شك هل سها أم لا فلا شيء عليه ؛ لأن المشكوك فيه ملغى على القاعدة ، وإن شك هل صلى ثلاثا أم أربعا سجد ؛ لأن الشك نصبه صاحب الشرع سببا للسجود لا للزيادة ، وقد تقدم بسط هذه المباحث في الفرق الرابع والأربعين بين الشك في السبب وبين السبب في الشك فليطالع من هناك ، وإنما المقصود هاهنا الفرق بين الشك في الطهارات وبين الشك في غيرها ، وقد أشرت إليه هاهنا وتكميله هناك .

[ ص: 166 - 170 ]

التالي السابق


[ ص: 166 - 170 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق السابع والتسعون بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة يعتبر عند مالك رحمه الله تعالى وبين قاعدة الشك في طريان غيره من الأسباب والروافع للأسباب لا تعتبر ) القاعدة المجمع عليها من حيث الجملة هي أن كل مشكوك فيه سواء كان سببا أو شرطا أو مانعا ملغى فكل سبب شككنا في طريانه لم نرتب عليه مسببه ، وجعلنا ذلك السبب كالمعدوم والمجزوم بعدمه فلا نرتب [ ص: 174 ] الحكم وكل شرط شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم ، وكل مانع شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فيترتب الحكم إن وجد سببه إلا أنه لما تعذر الوفاء بهذه القاعدة في الطهارات من جميع الوجوه جعل العلماء - وإن أجمعوا على اعتبارها فيها أيضا - يختلفون في الوجه الذي تلغى به والوجه الذي تعتبر به فيها .

فقال الشافعي رضي الله عنه : إذا شك في طريان الحدث جعلته كالمجزوم بعدمه لا يجب معه الوضوء فلا يجب على هذا الشاك الوضوء ، وقال مالك رحمه الله تعالى الشك في طريان الحدث يوجب الشك في بقاء الطهارة ، والشك في بقاء الطهارة يوجب الشك في الصلاة الواقعة هل هي سبب مبرئ أم لا .

وبراءة الذمة تفتقر إلى سبب مبرئ معلوم الوجود أو مظنون الوجود لا مشكوك الوجود ، فوجب أن تكون هذا الصلاة كالمجزوم بعدمها ، والمجزوم بعدم الصلاة في حقه يجب عليه أن يصلي فيجب على هذا الشاك أن يصلي بصلاة مظنونة كما قال الشافعي رضي الله عنه حرفا بحرف فكلاهما يقول المشكوك فيه ملغى لكن إلغاء مالك في السبب المبرئ وإلغاء الشافعي في الحدث ، ومذهب مالك أرجح من جهة أن الصلاة مقصد والطهارات وسائل وطرح الشك تحقيقا للمقصد أولى من طرحه لتحقيق الوسائل ، فهذا هو الفرق بين قاعدة إلغاء الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة عند مالك رحمه الله تعالى وعدم إلغائه في طريان غيرها من الأسباب وروافعها كالشك في طريان الطهارة بعد الحدث فيلغى المشكوك فيه على القاعدة ، ويجب عليه الطهارة أو في أنه هل طلق أم لا فلا شيء عليه ؛ لأنه شك في سبب حل العصمة فيلغى على القاعدة ، أو في أنه هل سها أم لا فلا شيء عليه ؛ لأنه شك في سبب سجود السهو فيلغى على القاعدة ، أما إذا شك في عين اليمين فيلزمه جميع الأيمان إذ لا يعلم السبب المبرئ إلا باستيعابها كما قلنا في الصلاة إذا شك في طريان الحدث على طهارتها أو شك في كون الطلاق ثلاثا واحدة فيلزمه الثلاث ؛ لأن الشك لم يقع في الطلاق بل في بقاء العصمة الذي هو شرط الرجعة فيلغى على القاعدة أو شك هل صلى ثلاثا أو أربعا فيأتي برابعة ، ويسجد إذ ليس هنا شك في السبب حتى يلغى على القاعدة بل سبب في الشك ؛ لأن الشك نصبه صاحب الشرع سببا للسجود لا للزيادة .

وهو محقق ولا شك فيه تقدم في الفرق الرابع والأربعين بين الشك في السبب وبين السبب في الشك بسط مسائل الشك في السبب والسبب في الشك فلتطالع ثمة فظهر أنه لا تناقض بين اعتبار مالك رحمه الله تعالى الشك في الحدث بعد الطهارة ، وفي أنه هل طلق ثلاثا أو واحدة وفي أنه هل حلف بطلاق أو إعتاق أو غيرهما وفي أنه هل صلى ثلاثا أم أربعا حيث قال في الأول يجب الوضوء ، وفي الثاني يلزمه ، وفي الثالث يلزمه جميع الأيمان ، وفي الرابع يجعلها ثلاثا ، ويصلي الرابعة ويسجد بعد السلام لأجل الشك فاعتبره في جميع هذه الفروع ونحوها وبين عدم اعتباره الشك في الطهارة بعد الحدث وفي أنه هل طلق أم لا ، وفي أنه هل سها أم لا حيث قال في الأول لا عبرة بالطهارة ، وفي الثاني وفي الثالث لا شيء عليه لإلغاء الشك في جميع هذه الفروع ونحوها فافهم والله أعلم .

( وصل ) حد بعض الأصوليين السبب والعلة بالوصف الظاهر المنضبط المعرف [ ص: 175 ] للحكم فخرج بالظاهر الخفي كاللذة في نقض الوضوء والعلوق في وجوب العدة فإنهما لخفائهما تركا ، وجعل السبب في النقض اللمس وفي وجوب العدة الطلاق ، وخرج بالمنضبط نحو المشقة في السفر لم ينط بها الحكم الذي هو قصر الصلاة لعدم انضباطها لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال ، وإنما أنيط بمسافة القصر ودخل بالمعرف للحكم بمعنى النسبة التامة لا خصوص الحكم الشرعي السبب المعرف لحكم غير شرعي كحل الشعر بالنكاح وحرمته بالطلاق جعل عند الشافعية علة لثبوت حياته كاليد ، وحد المانع المراد عند الإطلاق وهو مانع الحكم بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض حكم السبب فقيد الوصف في حد المانع بالوجودي لإخراج عدم الشرط فإنه لا يسمى مانعا لا تسمحا كما وقع ذلك لبعض الفقهاء ، وأطلقه في حد السبب والعلة ، والفرق بينهما إما على عدم اعتبار الحكمة في السبب والعلة فهو أن المانع مانع لوجود حكم السبب بأن يتحقق كل معتبر في الحكم من السبب والشرط ، وإلا لما احتاج انتفاء الحكم للمانع وإذا كان المانع عدم شيء لزم أن يكون ذات الشيء سببا في الوجود أو بعض سبب وشرط فيه ، وقد فرض أن المانع إنما يتحقق بعد تحقق السبب والشرط ، وإنما قلنا لزم أن يكون ذلك الشيء سببا إلخ ؛ لأن المانع هو المعرف للنقيض أي العلامة عليه ونقيض الشيء رفعه فالأبوة مثلا نفت وجوب القصاص ممن قتل ابنه لا غير .

وأما ثبوت حرمة القصاص منه فبالدليل المثبت لها كما قاله سم وهو الحق ، وإذا كان عدم الشيء يترتب عليه رفع الشيء بأن يقال انتفى كذا لعدم كذا كان وجوده يترتب عليه وجوده ، وأما السبب فإنه لما لم يترتب عليه رفع شيء ؛ لأن المعلل به ليس انتفاء الحكم المرتب على السبب ، بل المعلل به حكم مبتدأ ، ولو كان ذلك الحكم عدميا كما يعلل عدم نفاذ التصرف بعدم العقل فإن عدم نفاذ التصرف ليس مأخوذا من حيث إنه انتفاء لحكم السبب حتى يكون عدم العقل مانعا فلا يصح بل مأخوذ من حيث إنه حكم مبتدأ هو أنه لا ينفذ التصرف فيصح تعليله بانتفاء علة نفاذ التصرف ، جوزوا كون السبب والعلة عدما مضافا بخلاف المانع نعم في كون العلة عدمية مع وجود الحكم نزاع كبير .

قال ابن الحاجب والعضد والمختار منعه وأما على اعتبار الحكمة في السبب والعلة فأمر الفرق بينهما ظاهر فإن المانع للحكم هو ما استلزم حكمة تقتضي نقيض الحكم كالأبوة في القصاص فإن كون الأب سببا لوجود الابن يقتضي أن لا يصير الابن أي من حيث قتله سببا لعدمه ، وأما العلة فهي ما يترتب عليها حكمة تقتضي الحكم لا نقيضه نعم ما ذكر من أن اعتبار المانع بعد تحقق ما يتوقف عليه الحكم إنما هو في المانع الاصطلاحي ، وقد يطلق المانع على ما يتحققه ينتفي الحكم فيشمل عدم الشرط فلذا قال العضد : حقيقة الشرط أن عدمه مستلزم لعدم الحكم ، كما أن المانع وجوده مستلزم لعدم الحكم فبالحقيقة عدمه مانع ، وذلك لحكمة في عدمه تنافي حكمة الحكم أو السبب إلى آخر ما بينه ، وكما لا يصح في مانع الحكم أن يكون عدم شيء لما علمت كذلك لا يصح في مانع السبب أن يكون عدم شيء ؛ لأنه ما استلزم حكمة تخل بحكمة السبب كالدين في الزكاة إن قلنا إنه مانع من وجوبها ، فإن حكمة السبب وهو ملك النصاب استغناء المالك ، وليس مع الدين استغناء [ ص: 176 ] فالفرض تحقق السبب ، والذي جعل عدمه مانعا لا يمكن أن يكون حينئذ إلا شرطا للسبب بأن يخل عدمه بحكمة السبب ، وعدم حكمة السبب عدم له ، والفرض تحققه وأن هناك حكمة تخل بحكمته ، وبهذا علم الفرق أيضا بين مانع السبب وعدم شرط السبب كما علم مما قبله الفرق أيضا بين مانع الحكم وعدم شرط الحكم ، وتحصل أن لنا سببا ومانعا للحكم ومانعا للسبب وشرطا للحكم وشرطا للسبب وعدم شرط للحكم وعدم شرط للسبب ، وأن مانع الحكم ما أخل بالحكم مع بقاء حكمة السبب فيكون عدمه كعدم الحيض شرطا لتأثير السبب في الحكم إما بمجرد الترتب عليه كما في الزوال لوجوب الظهر ، أو لما فيه من المناسبة كما في الزنا لوجوب الجلد والإسكار لحرمة الخمر لا شرطا لوجود الحكم حتى ينافي كون تحقق المانع بعد تحقق الشروط ، ومانع السبب ما استلزم حكمة تخل بحكمة السبب مع تحقق السبب ، وإنه لا يقال مانع إلا بعد تحقق الحكم أو السبب فلزم أن يكون وجوديا لما عرفت ، وشرط الحكم ما يقتضي عدمه نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب ما أخل عدمه بحكمة السبب فينتفي السبب بعدم حكمته فتأمل بدقة إمعان ا هـ بتوضيح من الشربيني والعطار على محلي جمع الجوامع والله سبحانه وتعالى أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث