الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون

3246 3429 - حدثني إسحاق، أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: لما نزلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: " ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم .

التالي السابق


ثم ذكر حديث عبد الله - رضي الله عنه - لما نزلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الحديث من طريقين، وقد سلف قريبا، وأنه سلف في الإيمان.

وشيخه في الثاني: (إسحاق) هو ابن إبراهيم كما صرح به أصحاب الأطراف.

و(لقمان) قيل: هو ابن باعور بن ناحر بن تارح وهو آزر أبو إبراهيم.

[ ص: 527 ] وقيل: ابن عنقا ابن سرون،
ذكره السهيلي، عاش ألف سنة، وأدرك داود وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود قطعها، وكان من أهل أيلة، وقيل: كان تلمذ ألف نبي.

واختلف في نبوته فقال ابن المسيب: كان من سودان مصر ذو مشافر وكان نبيا، وعنه: أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة، وعنه: أنه كان خياطا، وعن عكرمة -فيما ذكره الحوفي-: كان نبيا، وقيل: كان عبدا صالحا مملوكا لبني الحسحاس من الأزد.

وعن ابن أبي حاتم عن مجاهد: كان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين.

وقال ابن عباس: كان عبدا حبشيا نجارا.

وفي "المعاني" للزجاج: "نجادا" بالدال المهملة، وقيل: كان راعيا، ووقف عليه إنسان وهو في مجلسه، فقال له: ألست الذي كنت ترعى في مكان كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.

[ ص: 528 ] وقال جابر بن عبد الله: كان قصيرا أفطس من النوبة، وقيل: كان نوبيا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه.

وقال ابن قتيبة: لم يكن نبيا في قول أكثر الناس، أي بل كان عبدا صالحا. وقال الواقدي: كان يحكم ويقضي في بني إسرائيل، وزمنه ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: زعموا أنه ابن خالته، وكان في زمن داود، ومر يوما وداود يصنع درعا، وكانت للدروع قبل ذلك صفائح، فلم يدر لقمان ما يصنع فوقف حتى أتم داود الدرع ولبسها، عرف لقمان ما يراد به فقال له: الصمت حكمة، وقليل فاعله.

وقالوا له: ما بلغ ما نرى؟ يريدون الفضل، قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. وقال وهب: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. وقال مجاهد: الحكمة التي أوتيها العقل والفقه والصواب من الكلام من غير نبوة.

ويذكر أنه قال لابنه، واسم ابنه داران: يا بني إذا نزل بك ما تحب أو تكره فليكن المضمر من نفسك أن الذي نزل خير. فكان ابنه يقول له: قد ينزل كذا؟ فيقول: هو ما أقول لك. فسافر مرة مع قوم، فلما كانوا بفلاة من الأرض فني زاد لقمان وعطب ظهره وانكسرت رجل ابنه وذهب القوم وتركوه، فجعل لقمان ينكر على ابنه، فقال: يا أبة ألم تكن تقول: لا ينزل بك من الأمر ما تحب أو تكره إلا كان المضمر من نفسك أن الذي نزل خير؟ قال: نعم هو كذلك. قال: ألا ترى ما نحن فيه؟ فنودي لقمان، وابنه يسمع: يا لقمان إن الله إنما فعل بك هذا; لأنه [ ص: 529 ] يريد عذاب القوم الذين أردتهم فأراد نجاتك. أو نحو هذا، قال: أسمعت يا بني؟ قال: بلى. قال: وأيقنت؟ قال: بلى.

وقوله: إن الشرك لظلم عظيم أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، قاله الأصمعي وغيره، قال غيره: المشرك ينسب نعمة الله إلى غيره، وقيل: هو ظالم لنفسه.

وقوله: ووصينا الإنسان الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك. ثم قال: وإن جاهداك قيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص.

وقوله: يا بني إنها إن تك مثقال حبة هذا على التمثيل كما قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] قال سفيان: بلغني أنها الصخرة التي عليها الأرضون.

ويروى أن لقمان سأله عن حبة وقعت في مغاص البحر فأجابه بذلك.

قال مالك يأت بها الله : يعلمها فإنه لطيف خبير.

قال أبو العالية: لطيف باستخراجها خبير بمكانها.

وقوله: ولا تصعر خدك للناس هي قراءة الجحدري أي: لا تكسر أو تشدق.

قال أبو الجوزاء: يقول بوجهه هكذا ازدراء بالناس وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل تلوي منه أعناقها.

[ ص: 530 ]


42 - باب: واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا

قال مجاهد: شددنا. وقال ابن عباس: طائركم [يس: 19]: مصائبكم.

القرية -فيما ذكره عكرمة وغيره- أنطاكية، قال السهيلي: نسبت إلى أنطنفس وهو اسم الذي بناها غير لما عرب. وقد اختلف أهل العلم في هؤلاء الرسل فعن قتادة أرسلهم عيسى اثنين من الحواريين فكذبوهما فعززنا بثالث، وكذا ذكره ابن عباس ومقاتل.

وقال وهب: كان بأنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له: أنطبجنين يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة: صادق وصدوق وسلوم حكاه ابن جرير.

وقال غيره: اثنين ثم بثالث، قال ابن التين: وهو قول الجماعة، وقال مقاتل: هم تومان وبولس والآتي ثالثا شمعون وكان من الحواريين ووصي عيسى - صلى الله عليه وسلم -.

قال ابن عباس: فجعلهم الله بعد عيسى أنبياء، وذكر السهيلي فيهم: يوحنا.

[ ص: 531 ] ومعنى واضرب لهم مثلا : اذكر، وذكر ابن التين عن الفراء أن الثالث أرسل قبل الاثنين فيه، وفي التلاوة كأنه أرسل بعدهما قال: ومعنى فعززنا بثالث فعززنا بتعليم الثالث، وفي قراءة ابن مسعود: (فعززنا بالثالث) وقرأ عاصم (فعززنا) خفيفة. قال: وهذا مثل شددنا وشددنا، قال ابن التين: والمعروف في اللغة أن عززنا: قهرنا وغلبنا والمستقبل يعز بالضم.

قال الطبري: القراءة عندنا التشديد; لإجماع الحجة من القرأة عليه ومعناه إذا شدد: فقوينا، وإذا خفف: فغلبنا وليس لغلبنا في هذا الموضع كبير معنى.

وقوله: ( طائركم : مصائبكم) وقال ابن عباس: الأرزاق والأقدار تتبعكم.

وأثر مجاهد أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه، وفي رواية عنه: زدنا.

وأثر ابن عباس أخرجه الطبري أيضا من حديث ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وعن كعب ووهب طائركم معكم أي: أعمالكم.

وورى الضحاك عن جويبر، عن ابن عباس يعني: شؤمكم معكم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث