الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل في الشهادة )

قال صاحب النهاية لما لم تكن الشهادة في الوصية أمرا يختص بالوصية أخر ذكرها لعدم عراقتها فيها قال رحمه الله ( شهد الوصيان أن الميت أوصى لزيد معهما لغت شهادتهما ) أي بطلت ; لأنهما يجران نفعا لأنفسهما بإثبات العين لهما فترد للتهمة فإذا ردت ضم القاضي إليهما ثالثا ; لأن في ضمن شهادتهما إقرارا منهما بوصي آخر معهما للميت وإقرارهما حجة على أنفسهما فلا يتمكنان من التصرف بعد الوصي لامتناع تصرفهم بدونه فصار حقهما بمنزلة ما لو مات أحد الأوصياء الثلاثة .

وجاز ذلك للقاضي مع وجود الوصي لامتناع تصرفهم بدونه فصار [ ص: 536 ] كأنه مات ولم يوص لأحد فيضم إليهما ثالثا ليمكنهم التصرف وهذا وجه الاستحسان فيجب الضم ، قال صاحب النهاية : فإن قيل إذا كان للميت وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى أن ينصب عن الميت وصيا آخر فإذا لم يكن له ذلك من غير شهادة فكذلك عند أداء الشهادة إذا تمكنت التهمة فيه قلنا القاضي وإن كان لا يحتاج إلى نصب الوصي لكن الموصى إليهما متى شهدا بذلك كان من زعمهما أنهما لا تدبير لهما في هذا المال إلا بالثالث فأسند من هذا الوجه ما لم يكن ثمة وصي وهناك تقبل الشهادة فكذا هنا كذا ذكره الإمام المحبوبي في باب القضاء بالشهادة من قضاء الجامع الصغير وإلى هنا لفظ النهاية واقتفى أثره كثير من الشراح منهم صاحب العناية ، وقال تاج الشريعة لو سألا من القاضي أن يجعل هذا لرجل وصيا معهما برضاه فعلى القاضي أن يجيبهما إلى ذلك ا هـ .

ثم إن هذا حال الضم إلى الوصيين مطلقا وأما فيما نحن فيه فيجب على القاضي أن يضم الثالث إليهما ألبتة وإن بطلت شهادتهما كما مضى عليه في عامة الكتب المعتبرة . ا هـ . ولم يتعرض لما إذا أنكر المشهود عليه أو صدقه ولم يقبل أو قبل ورد أو لم يرد ونحن نذكره تتميما للفائدة قال في الأصل : وإذا كذبهما المشهود عليه أدخل معهما رجلا آخر سوى المشهود عليه ، ومن مشايخنا من قال ما ذكروا من أنه يدخل معهما ثالثا .

هذا قول أبي حنيفة ومحمد عند أبي يوسف لا يدخل معهما ثالثا ومنهم من يقول : لا بل المذكور في الكتاب قولهم جميعا وهو الظاهر فإنه لم يوجد فيه خلاف وإن صدقهما ، وقال لا أقبل الوصية قال أدخلت معهما ثالثا بخلاف ما لو قبل ثم أبى لا يقبل رده وإباؤه إلى هنا لفظ المحيط ثم إن بعض المتأخرين استشكل هذا المقام بوجه آخر فقال فيه : إن وجوب كون المضموم هذا المدعي إثر شهادة المتهم مع أنه لا تقبل شهادة المتهم فكيف يترتب عليهما أثر ا هـ .

أقول : ليس هذا بشيء ; لأن شهادة المتهم إنما لا تقبل في إثبات حق شرعي وإيجابه في إسقاط شيء كمؤنة التعيين فيما نحن فيه فإن شهادتهما تسقط عن القاضي مؤنة التعيين ، وإن لم تثبت الوصاية كما أشار إليه المصنف بقوله فيسقط بشهادتهما مؤنة التعيين عنه أما الوصاية فتثبت بنصب القاضي وكم من شيء يكون حجة في الدفع ولا يكون حجة في الإثبات كالاستصحاب ونحوه فيجوز أن تكون شهادة المتهم أيضا كذلك فيترتب عليها أثر الدفع ، وقد أفصح عنه صاحب العناية حيث قال : وجه الاستحسان أن القاضي ملك نصب الوصي إذا كان طالبا ، والموت معروفا فلا يثبت للقاضي بهذه الشهادة ولاية لم تكن وإنما أسقطنا عنه مؤنة التعيين ومثاله أن القرعة ليست بحجة ويجوز استعمالها في تعيين الأنصباء لدفع التهمة عن القاضي فصلحت دافعة لا موجبة فكذلك هذه الشهادة تدفع عنه مؤنة التعيين ا هـ .

قال رحمه الله ( إلا أن يدعي زيد ) أي يدعي زيد أنه وصي معهما فحينئذ تقبل شهادتهما وهذا استحسان والقياس أن لا تقبل كالأول وجه الاستحسان أنه يجب على القاضي أن يضم إليهما ثالثا على ما بينا آنفا وتسقط بشهادتهما مؤنة التعيين عنه فيكون وصيا معهما بنصب القاضي إياه كما إذا مات ولم يترك وصيا فإنه ينصب وصيا ابتداء فهذا أولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث