الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( والقبض فيما ينقل النقل ، لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم } وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجذاذ التخلية ، لأن القبض ورد به الشرع ، وأطلقه فحمل على العرف والعرف فيما ينقل النقل وفيما لا ينقل التخلية ) .

[ ص: 340 ]

التالي السابق


( الشرح ) أما حديث زيد فسبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض ، وفي التجار لغتان - كسر التاء مع تخفيف الجيم - وضمها مع التشديد ، والجذاذ - بفتح الجيم وكسرها .

( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : الرجوع في القبض إلى العرف وهو ثلاثة أقسام ( أحدها ) العقار والثمر على الشجرة فقبضه بالتخلية ( والثاني ) ما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيتان ونحوها ، فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به سواء نقل إلى ملك المشتري أو موات أو شارع أو مسجد أو غيره ، وفيه قول حكاه الخراسانيون أنه يكفي فيه التخلية ، وهو مذهب أبي حنيفة ( والثالث ) ما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والمنديل والثوب والإناء الخفيف والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول بلا خلاف . صرح بذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه والقاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي والمصنف في التنبيه والبغوي وخلائق لا يحصون ، وينكر على المصنف كونه أهمله هنا مع شهرته ومع ذكره له في التنبيه والله تعالى أعلم .

[ ص: 334 ] وقد لخص الرافعي - رحمه الله - كلام الأصحاب وجمع متصرفه مختصرا وأنا أنقل مختصره وأضم إليه ما أهمله إن شاء الله تعالى . قال - رحمه الله - القول الجملي فيه أن الرجوع فيما يكون قبضا إلى العادة ، وتختلف بحسب اختلاف المال ( وأما ) تفصيله فنقول : المال إما أن يباع من غير اعتبار تقدير فيه ، وإما مع اعتبار فيه . فهما نوعان ( الأول ) ما لا يعتبر فيه تقدير إما لعدم إمكانه وإما مع إمكانه . فينظر إن كان المبيع مما لا ينقل كالأرض والدار ، فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري ، ويمكنه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه ويشترط كونه فارغا من أمتعة البائع ، فلو باع دارا فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها وكذا لو باع سفينة مشحونة بالقماش . وحكى الرافعي بعد هذا وجها شاذا ضعيفا عند ذكر بيع الدار المذروعة أنه لا يصح بيع الدار المشحونة بالأقمشة ، وادعى إمام الحرمين أنه ظاهر المذهب ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار وخلى بين المشتري وبين الدار ، حصل القبض فيما عدا ذلك البيت ، وكذا قاله الأصحاب وكذا نقله المتولي عن الأصحاب . وفي اشتراط حضور البائع عند المبيع في حال الإقباض ثلاثة أوجه ( أحدها ) يشترط ، فإن حضرا عنده فقال البائع للمشتري : دونك هذا ولا مانع ، حصل القبض وإلا فلا ( الثاني ) يشترط حضور المشتري دون البائع ( وأصحها ) لا يشترط حضور واحد منهما . لأن ذلك يشق ، فعلى هذا هل تشترط زمان إمكان المضي ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) نعم ، وبه قطع المتولي وغيره ، وفي معنى الأرض الشجر الثابت والثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجذاذ ، والله سبحانه أعلم .

( أما ) إذا كان المبيع من المنقولات فالمذهب والمشهور أنه لا تكفي التخلية ، بل يشترط النقل والتحويل . وفي قول رواه حرملة تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري ، ولا تكفي لجواز تصرفه ، فعلى المذهب إن [ ص: 335 ] كان المبيع عبدا يأمره بالانتقال من موضعه . وإن كان دابة ساقها أو قادها ( قلت ) قال صاحب البيان : لو أمر العبد بعمل لم ينتقل فيه عن موضعه ، أو ركب البهيمة ولم تنقل عن موضعها فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يكون قبضا ، كما لا يكون غصبا قال : ولو وطئ الجارية فليس قبضا على الصحيح من الوجهين وبهذا قطع الجمهور وهذا الذي ذكره في الغصب فيه خلاف نذكره في الغصب إن شاء الله تعالى . قال الرافعي : إذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كموات ومسجد وشارع ، أو في موضع يختص بالمشتري ، فالتحويل إلى مكان منه كاف في حصول القبض ، وإن كان في بقعة مخصوصة بالبائع فالنقل من زاوية منه إلى زاوية ، أو من بيت من داره إلى بيت بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف ، ويكفي لدخوله في ضمانه وإن نقل بإذنه حصل القبض ، وكأنه استعار ما نقل إليه . ولو اشترى الدار مع أمتعة فيها صفقة واحدة ، فخلى البائع بينهما وبينه ، حصل القبض في الدار ، وفي الأمتعة وجهان ( أصحهما ) يشترط نقلها ، لأنها منقولة كما لو أفردت ( والثاني ) يحصل فيها القبض تبعا ، وبه قطع الماوردي ، وزاد فقال : لو اشترى صبرة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض التي عليها الصبرة وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة ( قلت : ) قال الماوردي : ولو استأجر الأرض من البائع فوجهان ( الصحيح ) أنه ليس قبضا للأمتعة والله سبحانه أعلم .

قال الرافعي : ولو لم يتفقا على القبض فجاء البائع بالمبيع فامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه ، فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه كما لو كان غائبا ، قال : ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري : ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض فإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئا أو قال : لا أريده فوجهان ( أحدهما ) لا يحصل القبض كما لا يحصل الإيداع ( وأصحهما ) يحصل لوجوب التسليم ، كما لو وضع المغصوب بين يدي المالك فإنه يبرأ من الضمان ، فعلى هذا للمشتري التصرف [ ص: 336 ] فيه . ولو تلف فمن ضمانه لكن لو خرج مستحقا ولم يجر إلا وضعه فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان ، لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب .

( قلت ) قال المتولي : ولو قال البائع للمشتري : احمله إلي واتركه عندي ففعل ، صار قابضا بلا خلاف ، لأنه بأمره ، قال : وإذا وضعه عنده وقلنا : يصير قابضا فباعه قبل أن ينقله ونقله المشتري الثاني وتلف في يده ، ثم خرج مستحقا فللمستحق تغريم البائع الأول ، لأن العين كانت في يده ، وله تغريم المشتري الثاني ، لأنها تلفت في يده ، وليس له تغريم المشتري الأول ، لأن ضمان الاستحقاق ضمان عدوان ، وضمان العدوان لا يتعلق إلا بحقيقة الاستيلاء ، ولهذا لو خلا بمال غيره لا يضمنه بمجرد ذلك ، وإنما جعلناه هنا قابضا ليصح بيعه وتصرفه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ولو وضع المديون الدين بين يدي مستحقه ففي حصول التسليم خلاف مرتب على المبيع ، وأولى بعدم الحصول لعدم تعين الدين فيه .

( فرع ) للمشتري الاستقلال بنقل المبيع إن كان دفع الثمن ، أو كان مؤجلا ، وقد سبقت المسألة مبسوطة قريبا ( فرع ) لو دفع ظرفا إلى البائع فقال اجعل المبيع فيه ، ففعل لا يحصل التسليم ، إذ لم يوجد من المشتري قبض ، والظرف غير مضمون على البائع لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه ، وفي مثله في السلم يكون الظرف مضمونا على المسلم إليه ، لأنه استعمله في ملك نفسه . ولو قال للبائع : أعرني ظرفك واجعل المبيع فيه ففعل ، لا يصير المشتري قابضا لنوع الثاني أن يعتبر فيه تقدير بأن اشترى ثوبا أو أرضا مذارعة ، أو متاعا موارثة أو صبرة مكايلة أو معدودا بالعدد فلا يكفي للقبض ما سبق في النوع الأول بل لا بد مع ذلك من الذرع أو الوزن أو الكيل أو العد . [ ص: 337 ] وكذا لو أسلم في آصع طعام أو أرطال منه ، يشترط في قبضه القبض أو الكيل أو الوزن فلو قبض جزافا ما اشتراه مكايلة وقع المقبوض في ضمانه ( وأما ) تصرفه فيه بالبيع ونحوه ، فإن باع الجميع لم يصح ، لأنه قد يزيد على المستحق ، فإن باع ما تيقن أنه له لم يصح أيضا على الصحيح الذي قال الجمهور : وفيه وجه ضعيف أنه يصح ، قال المتولي : هذا الوجه لأبي إسحاق المروزي . قال أصحابنا : وقبض ما اشتراه كيلا بالوزن أو وزنا بالكيل كقبضه جزافا ، ولو قال البائع : خذه فإنه كذا فأخذه مصدقا له فالقبض فاسد أيضا ، حتى يقع اكتيال صحيح ، فإن زاد رد الزيادة . فإن نقص أخذ التمام فلو تلف المقبوض فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر وزعم القابض أنه كان دون حقه أو قدره ، فالقول قول القابض ، فلو أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه ، واعلم أن للمبيع - مكايلة - صورا ( منها ) قوله : بعتك هذه الصبرة بدرهم ( ومنها ) : بعتكها على أنها عشرة آصع ومنها بعتك عشرة آصع منها ، وهما يعلمان صيعانها ، أو لا يعلمان إذا جوزنا ذلك .

( فرع ) ليس على البائع الرضا بكيل المشتري ، ولا على المشتري الرضا بكيل البائع ، بل يتفقان على كيال ، وإن لم يتراضيا نصب الحاكم أمينا يتولاه ، قاله الماوردي



( فرع ) مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض تكون على البائع كمؤنة إحضار المبيع الغائب فإنها على البائع ( وأما ) مؤنة وزن الثمن فعلى المشتري لتوقف التسليم ومؤنة نقد الثمن هل هي على البائع أو المشتري ؟ فيه وجهان ، قلت : ( أصحهما ) على البائع ( وأما ) مؤنة نقل المبيع بعد القبض إلى دار المشتري فعلى المشتري . [ ص: 338 ] فرع ) لو كان لزيد على عمرو طعام سلما ، ولآخر مثله على زيد فأراد زيد أن يؤدي ما عليه مما له على عمرو فقال لغريمه : اذهب إلى عمرو فاقبض لنفسك ما لي عليه فقبضه ، فهو قبض فاسد وكذا لو قال : أحضره معي لأكتاله منه لك ففعل وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على القابض وهل تبرأ ذمة عمرو من حق زيد ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) نعم ( فإن قلنا : ) لا تبرأ فعلى القابض رد المقبوض إلى عمرو على عمرو ، ولو قال زيد : اذهب فاقبضه له ثم اقبضه مني لنفسك بذلك الكيل ، أو قال : احضر معي لأقبضه لنفسي ، ثم تأخذه لنفسك بذلك الكيل ففعل ، فقبضه لزيد في الصورة الأولى ، وقبض زيد لنفسه في الثانية ، صحيحان وتبرأ ذمة عمرو من حق زيد ، والقبض الآخر فاسد ، والمقبوض مضمون عليه ، وفي وجه ضعيف يصح قبضه لنفسه في الصورة الأولى . ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه ، ثم كاله على مشتريه وأقبضه فقد جرى الصاعان ، وصح القبضان ، فإن زاد حين قبضه ثانيا أو نقص فالزيادة لزيد والنقص عليه إن كان قدرا يقع بين الكيلين ، فإن كان أكثر علمنا أن الكيل الأول غلط فيرد زيد الزيادة ويأخذ النقصان ، ولو أن زيدا لما اكتاله لنفسه لم يخرجه من المكيال وسلمه كذلك إلى مشتريه فوجهان ( أحدهما ) لا يصح القبض الثاني حتى يخرجه ويبتدئ كيلا ( وأصحهما ) عند الأكثرين أن استدامته في المكيال كابتداء الكيل ، وهذه الصورة كما تجري في ديني السلم تجري فيما لو كان أحدهما مستحقا في السلم والآخر بقرض أو إتلاف .

( فرع ) قال أصحابنا : للمشتري أن يوكل في القبض ، وللبائع أن يوكل في الإقباض ، ويشترط في ذلك أمران ( أحدهما ) أن لا يوكل المشتري من يده يد البائع كعبده ومستولدته ، ولا بأس بتوكيل أبيه وابنه ومكاتبه ، وفي توكيل عبده المأذون له وجهان ( أصحهما ) [ ص: 339 ] لا يجوز . ولو قال للبائع : " وكل من يقبض لي منك " جاز ، ويكون وكيلا للمشتري في التوكيل ، وكذا لو وكل البائع بأن يأمر من يشتري منه للموكل ( الأمر الثاني ) أن لا يكون القابض والمقبوض واحدا ، فلا يجوز أن يوكل البائع رجلا في الإقباض ، ويوكله المشتري في القبض ، كما لا يجوز أن يوكله هذا في البيع وذاك في الشراء ولو كان عليه طعام وغيره من سلم أو غيره ، فدفع إلى المستحق دراهم وقال : اشترها بمثل ما تستحقه لي واقبضه ، ثم اقبضه لنفسك ، ففعل صح الشراء والقبض للموكل ، ولا يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبوض ، ولامتناع كونه وكيلا لغيره في حق نفسه وفي وجه ضعيف يصح قبضه لنفسه ، وإنما يمتنع قبضه من نفسه لغيره . ولو قال : اشتر بهذه الدراهم لي واقبضه لنفسك ففعل صح الشراء ، ولم يصح قبضه لنفسه ، ويكون المقبوض مضمونا عليه ، وهل تبرأ ذمة الدافع من حق الموكل ؟ فيه الوجهان السابقان ولو قال : اشتر لنفسك فالتوكيل فاسد وتكون الدراهم أمانة في يده لأنه لم يقبضها ليتملكها ، فإن اشترى نظر - إن اشترى في الذمة - وقع الشراء له وأدى ثمنه من ماله ، وإن اشترى بعينها فوجهان ( الصحيح ) بطلان الشراء ( والثاني ) صحته . ولو قال لمستحق الحنطة : اكتل حقك من هذه الصبرة ففعل لم يصح قبضه على أصح الوجهين ; لأن الكيل أحد ركني القبض ، وقد صار نائبا من جهة البائع ، ومتأصلا لنفسه ويستثنى عن الشرط الثاني ما إذا اشترى الأب لابنه الصغير من مال نفسه أو لنفسه من مال الصغير ، فإنه يتولى طرفي القبض كما يتولى طرفي البيع ، وفي احتياجه إلى النقل في المنقول وجهان ( أصحهما ) يحتاج كما يحتاج إلى الكيل إذا باع كيلا .

( فرع ) يستثنى عن صورة القبض المذكور إتلاف المشتري المبيع ، فإنه قبض كما سبق .



[ ص: 340 ] فرع ) قبض الجزء المشاع المبيع من دابة وثوب وغير ذلك إنما يحصل بتسليم الجميع ، ويكون ما عدا المبيع أمانة في يده ، فلو طلب المشتري القسمة قبل القبض قال صاحب التتمة : يجاب إليها ، لأنا إن قلنا : القسمة إفراز فظاهر ، وإن قلنا : بيع فالرضا غير معتبر فيه ، فإن الشريك يجبر عليه ، وإذا لم نعتبر الرضا جاز ألا نعتبر القبض كالشفعة ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، هذا آخر ما نقله الرافعي رحمه الله .

( فرع ) قال المتولي : لو باع شيئا هو في يد المشتري قبل الشراء ، فإن كان في يده بجهة ضمان كغصب أو عارية أو سوم صار بمجرد الشراء مقبوضا له ، لأن البيع جهة ضمان أيضا ، فيسقط ضمان القيمة ويحصل ضمان المشتري وإن كان في يده بجهة أمانة كوديعة أو وكالة أو شركة أو قراض صار بمجرد البيع مقبوضا له ، ولا يحتاج إلى إذن في القبض ، وهل يشترط مضي زمان يتأتى فيه النقص إذا كان المبيع غائبا عن مجلس العقد ؟ فيه وجهان ، قال : ولنا وجه ضعيف أن من اشترى شيئا في يده لا يصح قبضه إياه قبل أداء الثمن إلا بإذن البائع ، قال : ولو باع الرهن للمرتهن بالدين لم يشترط الإذن في القبض بلا خلاف ، وفي اشتراط مضي الزمان والنقل ما سبق من الخلاف .

( فرع ) قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - : قول الأصحاب : إنه إذا نقله من زاوية من دار البائع إلى زاوية لا يحصل القبض ، لأن الدار وما فيها في يد البائع ، وفيه إشكال لأنه إذا أخذه وأثبتناه له لنقله فمجرد هذا قبض ، ولا يتوقف كونه قبضا على وضعه فوضعه بعد احتواء يده عليه في دار البائع لا يخرج ما سبق عن أن يكون قبضا ، بل كأنه قبضه ثم أعاده إلى يد البائع وقد احتج إمام الحرمين لما ذكره الأصحاب بأنه لو دخل دار إنسان ثم تنازعا في متاع قريب من الداخل فإن اليد فيه لرب الدار لا للداخل ، وبخلاف ما لو كانت يده محتوية عليه [ ص: 341 ] قال الشيخ أبو عمرو : وهذا حجة على الإمام ، فإنا لا نجعله قبضا بسبب نقله إلى ملك البائع ، بل لاحتواء يده عليه حالة النقل .

( فإن قيل ) فهذا مبني على ما ذكره الأصحاب أن القبض فيما يتناول باليد التناول وأن الثقيل لا بد فيه من النقل لأن أهل العرف لا يعدون احتواء اليد على هذا قبضا من غير تحويل ، لأن التزاحم لا يصلح قرارا لهذا الثقيل ، فاحتواء اليد عليه حالة الإشالة كعدم الاحتواء لاضطراره إلى إزالته على قرب ( قلنا : ) هذا جواب حسن ، ويتأيد بقوله صلى الله عليه وسلم في الطعام : { حتى يحوزه التجار إلى رحالهم } ولكن الإشكال باق ، فإن احتواء اليد عليه حالة الحمل قبض حسي ، ولا يخفى أنه لو نازعه غيره وكانت اليد فيه لمن هو في يده حسنا وصدق في قوله له بيمينه . فإن كان النزاع بينه وبين آخر كان صاحبه مالك موضع النزاع ، هذا آخر كلام أبي عمرو - رحمه الله - والجواب المذكور صحيح ، ولا يبقى بعده إشكال يلتفت إليه لأن أهل العرف لا يعدون مجرد دفعه قبضا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



( فرع ) إذا انقضى الخيار ولزم البيع حصل الملك في المبيع للمشتري ، وفي الثمن للبائع من غير توقف على القبض بلا خلاف ، ونقل المتولي وغيره في إجماع المسلمين واحتج له بحديث ابن عمر السابق " كنت أبيع الإبل بالبقيع " إلى آخره .

( فرع ) إذا باع بنقد معين أو بنقد مطلق ، وحملناه على نقد الملك ، فأبطل السلطان المعاملة به قبل القبض قال أصحابنا : لا ينفسخ العقد ولا خيار للبائع ، وليس له إلا ذلك النقد المعقود عليه ، كما لو اشترى حنطة فرخصت قبل القبض ، أو أسلم فيها فرخصت قبل المحل ، فليس له غيرها ، هكذا قطع به الجمهور ، وحكى البغوي والرافعي وجها [ ص: 342 ] أن البائع مخير إن شاء أجاز البيع بذلك النقد ، وإن شاء فسخه ، كما لو تغيب قبل القبض والمذهب الأول ، قال المتولي وغيره : ولو جاء المشتري بالنقد الذي أحدثه السلطان لم يلزم البائع قبوله ، فإن تراضيا به فهو اعتياض وحكمه حكم الاعتياض عن الثمن ، وعن أبي حنيفة رواية أنه يجب قبوله وعنه رواية أنه ينفسخ البيع ، دليلنا عليه في الأول أنه غير الذي التزمه المشتري فلم يجب قبوله ، كما لو اشترى بدراهم وأحضر دنانير . ودليلنا في الثاني أن المقصود عليه باق مقدور على تسليمه فلم يفسخ العقد فيه كما لو اشترى شيئا في حال الغلاء فرخصت الأسعار .



( فرع ) في مذاهب العلماء في حقيقة القبض ، قد ذكرنا أن مذهبنا أن القبض في العقار ونحوه بالتخلية ، وفي المنقول بالنقل ، وفي المتناول باليد التناول ، وبه قال أحمد ، وقال مالك وأبو حنيفة : القبض في جميع الأشياء بالتخلية قياسا على العقار ، دليلنا حديث زيد بن ثابت الذي ذكره المصنف ، والمعنى الذي ذكره المصنف ( فإن قيل ) فحوزه إلى الرحال ليس بشرط الإجماع ( قلنا ) دل الحديث على أصل النقل ، وأما التخصيص بالرحال فخرج على الغالب ، ودل الإجماع أنه ليس بشرط في أصل النقل ( والجواب ) عن القياس على العقار أنه لا يمكن فيه إلا التخلية ، ولأنها قبض له في العرف بخلاف المنقول والله سبحانه أعلم . واحتج البيهقي للمذهب بحديث ابن عمر قال : { كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه } رواه مسلم - رحمه الله - ، وفي رواية { كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه } رواه البخاري ومسلم وفي رواية عنه قال { رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون في أن يبيعوه مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم } رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث