الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 111 ] كتاب الطلاق

                                                                                                                                            باب إباحة الطلاق ووجهه وتفريعه من الجامع من كتاب أحكام القرآن ومن إباحة الطلاق ومن جماع عشرة النساء وغير ذلك

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله : قال الله تعالى : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وقد قرئت : لقبل " عدتهن " ( قال ) والمعنى واحد " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : الأصل في إباحة الطلاق الكتاب والسنة وإجماع الأمة .

                                                                                                                                            أما الكتاب فقوله تعالى : ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق : 1 ] ، وهذا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فهو عام الحكم فيه وفي جميع أمته .

                                                                                                                                            فهو من الخاص الذي أريد به العموم .

                                                                                                                                            فروى قتادة عن أنس قال طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى : ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن فقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة .

                                                                                                                                            وقوله تعالى : لعدتهن أي في طهرهن إذا لم يجامعن فيه .

                                                                                                                                            وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فطلقوهن لقبل عدتهن .

                                                                                                                                            قال الشافعي والمعنى واحد وقال تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ البقرة : 229 ] ، وفي قوله الطلاق مرتان تأويلان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث وأنه يملك الرجعة في الاثنتين ولا يملكها في الثالثة ، وهو قول عروة وقتادة . [ ص: 112 ] روى هشام بن عروة عن أبيه . قال : كان الرجل يطلق ما شاء ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت زوجته ، فغضب رجل من الأنصار على امرأته فقال لها : لا أقربك ولا تخلصين مني ، قالت له : وكيف ؟ قال أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك . ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك . قال : فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : الطلاق مرتان الآية .

                                                                                                                                            فقدره بالثلاث ، ولذلك قال عروة نزل الطلاق موافقا لطلاق الأعشى في تقديره بالثلاث حين يقول :


                                                                                                                                            أجارتنا بيني فإنك طالقه وموموقة ما أنت فينا ووامقه     أجارتنا بيني فإنك طالقه
                                                                                                                                            كذاك أمور الناس تغدو وطارقه     وبيني فإن البين خير من العصا
                                                                                                                                            وألا تزال فوق رأسك بارقه

                                                                                                                                            والتأويل الثاني : أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قرء واحدة وألا يجمع بينهن في قرء واحد ، وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وأبي حنيفة .

                                                                                                                                            وفي قوله : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ البقرة 229 ] ، تأويلان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الإمساك بالمعروف الرجعة بعد الثانية والتسريح بالإحسان الطلقة الثالثة .

                                                                                                                                            روى سفيان عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الطلاق مرتان فأين الثالثة ؟ قال : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .

                                                                                                                                            وهو قول عطاء ومجاهد .

                                                                                                                                            والتأويل الثاني : فإمساك بمعروف الرجعة بعد الثانية أو تسريح بإحسان هو الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها .

                                                                                                                                            وهذا قول السدي والضحاك .

                                                                                                                                            وقال تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وقال تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن [ البقرة : 236 ] ، الآية .

                                                                                                                                            فأما السنة : فروى حميد بن عبد الرحمن عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أحدكم لامرأته قد طلقتك قد راجعتك ليس هذا طلاق المسلمين . تطلق المرأة في قبل عدتها [ ص: 113 ] وروى محارب بن دثار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أبغض الحلال إلى الله الطلاق . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق والعتاق . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة واحدة ثم راجعها . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه تزوج العالية بنت ظبيان فمكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها . فإذا ثبت إباحة الطلاق بالكتاب والسنة وما تعقبهما من إجماع الأمة فالطلاق في اللغة هو التخلية ، مأخوذ من قولهم نعجة طالق إذا خليت مهملة بغير راع .

                                                                                                                                            ومنه قول النابغة :


                                                                                                                                            تناذرها الراقون من سوء سمها     تطلق طورا وطورا تراجع

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية