الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      المقدمة

      إن أسمى الأعمال الإنسانية هي تلك التي لا تنتظر مقابلا لها، بل تنبع من القلب ومن رغبة لدى الإنسان في القيام بها، ومن أنبلها الأعمال الخيرية التطوعية؛ لأنها ممارسة إنسانية ارتبطت ارتباطا وثيقا بكل معاني الخير والعمل الصالح عند كل المجموعات البشرية، منذ الأزل.. فمنذ صدر البشرية ونزول أبينا آدم، عليه السلام، إلى المعمورة وإعمار بني البشر لهذا الكون الواسع الفسيح، أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل لتنظيم إقامة حياة بشرية عادلة مستقرة ينعم بها بنو البشر، وحدد رسالتهم، على اختلاف أزمنتهم وأماكنهم، في أبعاد ثلاثة: إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور السلطان إلى عدل الرحمن، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، لذا سما المسلمون من قديم الزمان حينما تغاضوا عن الصغير الأدنى، وتفاعلوا مع العظيم الأبقى، وهو إرضاء خالق الكون ومدبر أمر السماوات والأرض.

      ومن المبادئ، التي أرساها الإسلام لإقامة حياة فاضلة على وجه المعمورة التعارف، ثم التعايش، لقد نادى الباري جل وعلا كافة البشر من جميع الأجناس إلى التعارف وتبادل النصح والعلم والمعلومات، فقال جل من قائل: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13). [ ص: 5 ]

      فالخـطـاب هنـا ليس قـاصـرا على المسـلمين وحدهـم، وليس محددا بزمان أو مكان، بل هو شامل لبني البشر كافة، على اختلاف عصورهم وأمصارهم.

      ويأمر الجميع بالتعارف المفضي إلى التفاهم والتآلف، الذي هو شرط التعاون، تأسيسا على القواسم المشتركة بين الجميع، بقطع النظر عن الخصوصيات والفروق الدينية والثقافية، وذلك تحقيقا للاستخلاف الإنساني القائم على إصلاح الكون وتجسيم قيم العدل والإحسان في النفس البشرية وواقع الحياة.

      ويذكرنا الله سبحانه وتعالى في هذا الصدد بمعنى التدافع، الذي يثري الحياة، ويطور أوضاعها، وينوع تجاربها، وينمي ثرواتها، ليجعلها أمنا لجميع البشر: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ) (الحج:40).

      ثم يحدد المولى عز وجل المسار المنشود للتعاون العظيم، الذي على أساسه تقوم الحضارات وتبنى الثقافات:

      ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (المائدة:2)، ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (الأنبياء:73)، ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) (الحج:77)، ( فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) (المائدة:48). [ ص: 6 ]

      ويعلن الرسول صلى الله عليه وسلم نداءات هادية خالدة تصلح لكل زمان، وتزرع الخير في كل مكان:

      - ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) (مسلم، الذكر،ح: 2699).

      - ( مـا مـن مـسـلـم يغـرس غـرسا، أو يزرع زرعا، فـيـأكل منـه طـيـر أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ) (البخاري، الحرث، ب:1، ح: 2320).

      - ( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه ) (مسلم، المساقاة، ح: 1563).

      - ( الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي القرابة اثنتان: صدقة، وصلة ) (ابن ماجه، الزكاة، ح: 1844/صحيح، ت: الألباني).

      فهذه نداءات شاملة، حيث إن مبدأ العبودية يشمل حتى الخلائق الأخرى، التي لا يعلمها إلا الله.

      ومبدأ الأخوة الشاملة - أيضا - هو الذي يشمل أبناء آدم، عليه السلام، فكلهم منشأهم واحد، ومستقرهم واحد، فيلتقون في وحدة المنشأ والمستقر، لا مفر من هذا.

      فهذا هو حال الحياة، التي جعلها الله سبحانه وتعالى مستقرا إلى حين، لإصلاح النفوس وإعمار الكون. [ ص: 7 ]

      بهذا المعنى، سعى كل فرد مسلم إلى إعمار دنياه بأعمال البر والخير ومساعدة المحتاجين وإرشاد الضالين، وفك الكرب عن المكروبين، وملاطفة اليتامى والمقهورين، ومصاحبة الفقراء والمعوزين، والذود عن الضعفاء والمستنجدين، فلمثل هذا الدور خلقنا، ولهذا الدور وجهنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وبهذا الدور يكون المسلم حقيقا بريادة البشرية وخيرية الأمم، كما قال تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) (آل عمران:110).

      قال بعض العلماء: "اطلب النية للعمل قبل العمل، وما دمت تنوي الخير فأنت بخير، وكان بعض المريدين يطوف على العلماء يقول: من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى؟ فإني لا أحب أن تأتي علي ساعة من ليل أو نهار إلا وأنا عامل من عمال الله، فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت أو تركته فهم بعمله، فإن الهام بعمل الخير كعامله". (الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، 1425هـ/ 2004م، ط1، ص:1400).

      ومما يشهد لهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) (البخاري، الوحي، ب 1، ح: 1.)

      إن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها، ومن ثم ورد "نية المؤمن خير من عمله، فإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين". ( ابن حجر، فتح الباري 1 / 17 ). [ ص: 8 ]

      وموضوع هذه الدراسة هو العمل الخيري (التطوعي) في ضوء الحديث النبوي، وتهتم بتأصيل موضوعها، في ضوء الحديث النبوي.

      1- إشكالية الـبحـث:

      من السمات البارزة في هذه الدراسة أنها تطرح العمل الخيري التطوعي كمشروع سياقي (استراتيجي) لمعالجة قسم كبير من المشاكل الاجتماعية والإنسانية، في ضوء الهدي النبوي، إذ تؤسس لهذا العمل قاعدة نصوص عريضة، تثريه وتغذيه، وتنشطه منظومة من الحوافز والبواعث العقدية والأخلاقية والمجتمعية، شملتها مدونة السنة النبوية.. وليس العمل الخيري في رؤية هذه الدراسة مجرد أداة لكسب المزيد من الثواب فقط، إنما تهتم -أيضا- بمعالجة القضايا الاجتماعية. فما هي إذن أبعاد العمل الخيري في السنة النبوية؟ وكيف يمكن توضيح المعاني التفسيرية له داخل هذه المدونة؟ وهل لهذه المعاني أثر في خدمة القضايا العامة للمجتمع؟ وهل لها ارتباط بتوصيف خطط (استراتيجيات) التعامل مع مشكلات المجتمع الإنساني المتشعبة؟

      سـأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال فصول ومباحث الدراسة.

      فالعمل التطوعي من أصدق الإيمان، حيث عده النبي صلى الله عليه وسلم من شعب الإيمان، التي ( أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق )

      إن الله تعالى، تفضلا منه وتكرما، يكون معينا لعبده المتطوع، الذي يكون في عون أخيه.. والعمل التطوعي ولو كان في حجم الذرة فإن الله تبارك وتعالى يباركه وينميه، ولا يضيع أجر من أحسن عملا. [ ص: 9 ]

      2- أهمية البحث ودواعي اختياره:

      يستمد هذا البحث أهميته من اعتبارات ثلاثة، شجعتني على اختياره ورغبتني في الاشتغال على مسائله، وهي:

      1- محورية قضية البر والتطوع في النص النبوي، واتساع قاعدة معطياتها في مدونة السنة النبوية، التي تعتبر العمل الخيري بمجموع مفرداته أحد الأهداف الأساسية للرسالة، وسمة مهمة للمسلم، تميز حضوره الاجتماعي، كما أنها تنوه به كأمارة دالة على كمال إيمانه وصحة إدراك صلته بالله.

      2- ندرة، إن لم يكن انعدام، الدراسات الأكاديمية المتخصصة في هذا الموضوع، انطلاقا من الحديث النبوي، فجل الأبحاث التي لامست فكرة الموضوع وأشارت إليها اختزلتها في حدود عنصر جزئي مذوب في مفاهيم عامة أخلاقية واجتماعية، لا تعكس حجم الموضوع وقيمته واتساع منظومته، في ضوء الحديث النبوي.

      3- الأهمية الكبرى، التي يحظى بها هذا الموضوع اليوم، في إطار وعي الإنسـان الحـديث بدور المجتـمع المـدني، بكل مفرداته، ومنه العمل التطوعي في خدمة الواقع المعيش وتنويع قنوات دعم المؤسسة الاجتماعية الكبرى.. فهل ثمة ما تضيفه هذه الدراسة في هذا الإطار؟

      إذا ما نظرنا إلى هذه الدراسة في إطارها العام، فإننا نجدها مقاربة في الموضوع في إطار الهدي النبوي، تقوم على التوعية بالحضور الكثيف لفكرة الموضوع في نص السنة النبوية، ومساءلة النص لبلورة مفاهيمه، التي تحكم [ ص: 10 ] طرحه للموضوع وضبط المسارات والآليات التنفيذية، التي يرشد إليها، ورسم الغايات والتنبيه على العوائق.

      وبالنظر إلى خلفية البحث المفاهيمية، القائمة على الوعي بالواقع المحيط والظروف الماثلة، يعد إضافة مهمة في بابها، كما تقدم الدراسة فهرسا موضوعيا لأحاديث الباب، التي تغطي ما ورد نصه في الكتب الستة الأصول.

      - خـطـة الـبحـث:

      أفرغت مادة هذه الدراسة في فصلين مفرعين إلى مباحث، على النحو الذي يسمح بالدراسة في المفاصل الأساسية للبحث.

      الفصل الأول: المرجعيات القيمية العامة للعمل التطوعي، في سياق النص النبوي، ويتضمن ثلاثة مباحث.

      بينت في هذا الفصل مشروعية العمل، مسوغاته ودوافعه، في النص النبوي، مع بيان مبادئ القيم الحديثية، التي تمثل الأرضية الفكرية والأخلاقية، التي قام عليها هذا العمل في الحديث؛ إذ يأتي العمل الخيري في القرآن الكريم، كما في السنة، بصيغ شتى، بعضها أمر به، أو ترغيب فيه عن ضده، أو تحذير منه، وبعضها مدح لفاعلي الخير، وبعضها ذم لمن لا يفعل ذلك، وبعضها يثني على الدعـوة إلى فعل الخير، أو التعاون عليه.. والخير يـذكر في القرآن الكريم وفي السنة النبوية بلفظ (الخير) نفسه، وقد يكون بما يفيد مضمونه، مثل: البر، والإحسان، والرحمة، والصدقة، وتفريج المكروب، وإغاثة الملهوف. [ ص: 11 ]

      وقد قسمت هذا الفصل إلى المباحث التالية:

      المبحث الأول: الاستخلاف الإنساني:

      أوضحت فيه أن العمل الخيري صورة تطبيقية ومفهوم تفسيري لشمولية الإنسان في الأرض... وبحثت كذلك في مسوغات العمل التطوعي، ودوافعه، وعلاقة العمل بمفهوم التطوع في الإسلام.

      كما ذكرت في خلاصة هذا المبحث بعض الخصائص الأساسية المرتبطة بمنظومة التطوع بصفة عامة.

      المبحث الثاني: مبدأ التكافل الاجتماعي:

      بينت في هذا المبحث أن التضامن هو عنوان العلاقة بين الإنسان والإنسان.. وهذا من مزايا الإسلام؛ لأن الإسلام يشتمل على تشريع يحقق العدالة بين الناس، ويـكفل حياة العـاجزين منهـم عن الكسب والمقصرين عن إدراك ما يحتـاجـون إليه من موارد العيش، ولم يترك الإسلام هذا الجانب من الحياة الإنسانية لدوافع الأخلاق وحدها ولا لوسائل الإنسان الفردية، ولكن شرع له قواعد إلزامية، وأوجب على الدولة واجبات مالية لذلك، حدد مواردها ومصارفها.

      المبحث الثالث: مبدأ الرحمة، كقيمة خصوصية للبعثة المحمدية:

      تحدثت فيه عن أن الإسـلام رسـالة خير وسـلام ورحمة للبشـرية كلها، وأن الرحمة من مقاصد بعثة الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم ، ليكون رحمة للعالمين، وعرضت بعض مظاهر هذه الرحمة. [ ص: 12 ]

      بينت فيه كذلك أن الإحسان ممدوح عليه المسلم، ومطلوب في كل شيء، وأن الإحسان في الإسلام لا يحده دين، فقد أحسن صلى الله عليه وسلم إلى الجميع، أحسن لليهودي والنصراني، بل للمشركين وهو الأقوى يوم دخل مكة فاتحا.

      إن العمل التطوعي جزء من الإحسان العام، ومردوده إلى المتطوع نفسه.. نبهت أيضا إلى أن مما يرتبط بمسألتي الخير والإحسان بعث همم الأفراد ومواهب المروءة فيهم إلى بذل المكرمات.. فإن تشجيع مواهب المروءة الفطرية في الأفراد أحق وأولى بالتشجيع؛ لأنها من السبيل الذي يعد الرجال ذوي القيم ويخرج للأمة ثروتها الأساسية من النفوس السامية الكريمة.. فإنه ليس أفضل من فعل الخير إلا النفس التي فعلته والنية التي بعثت عليه.

      الفصل الثاني: سمات العمل التطوعي وغاياته وإشكالياته، في ضوء الحديث النبوي.. قسمت الفصل إلى ثلاثة مباحث:

      المبحث الأول: سمات العمل الخيري:

      بينت فيه أن العمل الخيري له خصائص تميزه عن غيره من الأعمال، وأن هذا العمل قد تحلى بسمات عامة توسع من دائرة جدواه، وتكسبه أهمية كبيرة من حيث هو إحدى استراتيجيات الخدمة الاجتماعية الدائمة.

      المبحث الثاني: غايات العمل الخيري:

      تحدثت في هذا المبحث عن أهمية ارتباط مفهوم العمل الخيري والتطوعي بالتنمية الشاملة من خلال الكثير من الأعمال والبرامج، التي تستهدف الإنسان وترقى به، ابتداء بالفرد ثم الأسرة، ومن ثم تمتد إلى المجتمع، تلك [ ص: 13 ] الحلقات الثلاث المترابطة بمجموعها ومفرداتها، فصلاح الأسرة صلاح الفرد، وصـلاح المجتمع صـلاح الأسـرة؛ لأن حقيقة العمل الخـيري يجـب أن ترتبط بما يمكن أن تحدثه من تأثيرات ومتغيرات في المجتمع باتجاه التنمية؛ كما تناولت فيه أهداف ومقاصد العمل الخيري الإنسانية والأخلاقية.

      المبحث الثالث: إشكاليات العمل التطوعي:

      إن المتصدي للعمل الخيري التطوعي، والدارس له، يجد تاريخا طويلا تمتد جذوره إلى أمد بعيد.. منشأ هذه الجذور الطبيعي: البعد الديني في الإسلام وحب مساعدة الضعفاء والفقراء.. ومع ثورة الاتصالات وتعدد نواحي الحياة برز إلى الوجود ما يسمى بالقطاع المدني، ليشمل كل تلك التنظيمات والأعمال.. وتنامى المجتمع المدني بكل تشكيلاته، وأصبحت الجمعيات الأهلية ذات الجذور الأصيلة، التي شكلت البدايات والتي اتسمت أعمالها بالخيرية والغيرية، جـزءا من المجتمـع المدني وكادت تذوب فيه، وتحقق لها من جراء ذلك:

      1- الانفتاح محليا ودوليا.

      2- تنوع مجالات العمل ليواكب قضايا أخرى لم تكن مرئية.

      3- وصول العمل الخيري إلى نوع من الحرفية والأخذ بالجديد وتنظيم الأعمال بشكل علمي عصري وليس بشكل تلقائي.

      4- بروز مؤسسات مانحة وأخرى متلقية.

      وبرزت أيضا مجموعة من السلبيات:

      1- وفود المال والمساعدات في شكل لا ندري شكل نواياه. [ ص: 14 ]

      2- اضطرار بعض الجمعيات إلى تغيير توجهاتها لتلائم توجهات الممول وأهدافه، من أجل الحصول على المال والدعم.

      وقد بينت وشرحت في هذا المبحث أهم المعوقات، التي تحول دون تطوير العمل التطوعي.

      ولا شك أن هناك أسبابا كثيرة، يمكن ردها إلى أن الثقافة السائدة في هذا المجال تعاني بدورها من إشكاليات، قد بينتها في موضعها من الدراسة.

      - مـنهـج الـبحـث:

      اعتمدت في دراستي هذه على عدة مناهج، راوحت بينها بحسب متطلبات الدراسة، فكان للمنهج الاستقرائي دوره المهم في التعرف على البناء الفكري العام للموضوع، في إطار النص النبوي، وتبين درجة حضوره فيه؛ كما كان للتحليل واستنطاق النصوص أثره الواضح في معرفة اتجاه الحديث في طرح الموضوع وكيفية معالجته له، وبواعث اهتمامه به؛ وقد استخدمت أحيانا المقارنة لإبراز سمات الموضوع في سياق الحديث.

      - الصـعـوبـات:

      لا يخـلو أي عمل من صـعوبات، ومن أهم ما واجهـني منها في إعداد هذا البحث هو قلة الدراسـات المتخصصـة في مجال العمل الخيري، خاصة في دولنا العربية والإسلامية، وإن كان هناك اهتمام كبير بالعمل الخيري بدأ يبرز في السنوات الأخيرة.. فالزائر لمواقع الشبكة العالمية (الإنترنت) يجد الكثير من المقالات، التي تلامس - أو على الأقل تحاول أن تلامس - فكرة العمـل التطوعي، ماله وما عليـه، تعكس الاهتمام المتزايد به دوليا وإقليـميا، يمكن [ ص: 15 ] الاستفادة منها، وقد استفدت منها بالفعل في تأطير بعض الجوانب المهمة في العمل الخيري.. أما السنة النبوية، فهي تقدم ما يمكن تسـميته: (مجموعة من الأفكار والقيم والفضائل، التي تتعدد في صيغها، وتختلف في وسائل التعبير عنها، وتتباين في مجالات عملها، غير أن كل مجموعة منها تظل في مجملها منتمية إلى منظومة واحدة تحقق هدفا أو أكثر من أهداف الفرد أو المجتمع، أو هما معا).

      وأود أن أنوه هنا إلى أن هذه الدراسة هي في الأصل أطروحة دكتوراه عنوانها: "العمل الخيري (التطوعي) في ضوء الحديث النبوي وواقع المجتمع.. دراسة تأصيلية وتطبيقية"، نوقشت في جامعة الزيتونة بتونس، في: 7 / 4 /2012م. ومادة هذه الدراسة أكثر شمولا مما هو معد الآن للنشر، وعسى أن تسنح لي فرصة نشرها كاملة في كتاب واحد.

      وحتى يتحقق ذلك، أسأل الله العلي العظيم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبل مني نية الخير، وأن يوفقني إلى فعله.. وأدعو الله سبحانه وتعالى لكل من قرأه وسعى في نشره أن يجزيه الجزاء الأوفى، فالخير وفعله ونيته جزء من حياة المسلم، فإن استطاع فعل الخير لم يدخر وسعا، وإن لم يستطع نواه في قلبه، ودعا غيره إليه، ودله عليه، ليكون له مثل أجره.. ومن أروع مقاصد العمل الخيري التطوعي: تحقيق المطالب المعنوية للإنسان، من تعليم وثقافة وفقه في الدين؛ وتحقيق المطالب النفسية للإنسان، مثل إدخال السرور عليه ومسح دمعته عند المصائب والكوارث ومعالجة قلقه وهمه، وملء نفسه بالتوكل والثقة بالله ومطاردة شبح اليأس من قلبه.

      والحمد لله أولا وآخرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [ ص: 16 ]

      التالي السابق


      الخدمات العلمية