الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

وأما العقود من المعاملات المالية والنكاحية وغيرها

فنذكر فيها قواعد جامعة عظيمة المنفعة ، [ فإن ذلك فيها أيسر منه في العبادات] .

فمن ذلك : صفة العقود . فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال :

أحدها : أن الأصل في العقود : أنها لا تصح إلا بالصيغ والعبارات التي قد يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول ، سواء في ذلك : البيع ، والإجارة ، والهبة ، والنكاح ، والوقف ، والعتق ، وغير ذلك . وهذا ظاهر قول الشافعي ، وهو قول في مذهب أحمد ، يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل ، كالبيع والوقف ، ويكون تارة رواية مخرجة ، كالهبة والإجارة .

[ ص: 154 ] ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها ، كما في الأخرس .

ويقيمون الكتابة أيضا مقام العبارة عند الحاجة . وقد يستثنون مواضع دلت النصوص على جوازها إذا مست الحاجة إليها . كما في الهدي إذا عطب دون محله فإنه ينحر ثم يصبغ نعله المعلق في عنقه بدمه علامة للناس ، ومن أخذه ملكه . وكذلك الهدية ونحو ذلك ، لكن الأصل عندهم هو اللفظ ؛ لأن الأصل في العقود هو التراضي ، المذكور في قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) [ النساء : 29] ، وقوله تعالى : ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ) [ النساء : 4] . والمعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي جعلت لإبانة ما في القلب ، إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها : تحتمل وجوها كثيرة ؛ ولأن العقود من جنس الأقوال ، فهي في المعاملات كالذكر والدعاء في العبادات .

والقول الثاني : أنها تصح بالأفعال ، [فيما] كثر عقده بالأفعال ، كالمبيعات [المحقرات] ، وكالوقف في مثل من بنى مسجدا وأذن للناس في الصلاة فيه ، أو سبل أرضا للدفن فيها ، أو بنى مطهرة وسبلها للناس ، وكبعض أنواع الإجارة : كمن دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجر ، أو ركب سفينة ملاح ، وكالهدية ، ونحو ذلك . فإن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أكثر أمور الناس ، ولأن الناس من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى يومنا هذا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ ، بل بالفعل الدال على المقصود .

وهذا هو الغالب على أصول أبي حنيفة ، وهو قول في مذهب [ ص: 155 ] أحمد ووجه في مذهب الشافعي ، بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة فإنه لا حاجة إليه ، ولم يجر به العرف .

والقول الثالث : أن العقود تنعقد بكل ما دل على مقصودها ، من قول أو فعل وبكل ما عده الناس بيعا أو إجارة . فإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال . وليس لذلك حد مستقر ، لا في شرع ولا في لغة ، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس ، كما تتنوع لغاتهم ، فإن ألفاظ البيع والإجارة في لغة العرب ليست هي الألفاظ التي في لغة الفرس أو الروم أو الترك أو البربر أو الحبشة ، بل قد تختلف ألفاظ اللغة الواحدة .

ولا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاحات في المعاملات . ولا يحرم عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم . وإن كان قد يستحب بعض الصفات ، وهذا هو الغالب على أصول مالك وظاهر مذهب أحمد ؛ ولهذا يصحح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقا ، وإن كان قد وجد اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر ، بأن يقول : خذ هذا بدراهم فيأخذه ، أو يقول : أعطني خبزا بدراهم ، فيعطيه ما يقبضه ، أو لم يوجد لفظ من أحدهما ، بأن يضع الثمن ويقبض جرزة البقل أو الحلواء ، أو غير ذلك ، كما يتعامل به غالب الناس ، أو يضع المتاع له ليوضع بدله ، فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه ، كما يحكيه التجار عن عادة بعض أهل المشرق ، فكل ما عده الناس بيعا فهو بيع ، وكذلك في الهبة كل ما عده الناس هبة [ فهو هبة مثل الهدية ] .

[ ص: 156 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث