الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غاية ما ينتهي إليه من عارض الشرع بالعقل

الخامس والعشرون : أن غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد له منها : إما تكذيبها وجحدها ، وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق خطابا جمهوريا لا حقيقة له ، وإنما أرادوا منهم التخيل وضرب الأمثال ، وإما اعتقاد أن المراد تأولها وصرفها عن حقائقها بالمجازات والاستعارات ، وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها ، واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا الله ، فهذه أربع مقامات ، وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم .

والمقام الأول : مقام التكذيب ، وهؤلاء استراحوا من كلفة النصوص والوقوع في التشبيه والتجسيم ، وخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم .

المقام الثاني : مقام أهل التخييل ، قالوا : إن الرسل لم يمكنهم مخاطبة الخلق بالحق في نفس الأمر ، فخاطبوهم بما يخيل إليهم ، وضربوا لهم الأمثال ، وعبروا عن المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحس ، وسلكوا ذلك في باب الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر ، وأقروا باب الطلب على حقيقته ، ومنهم من سلك هذه المسلك في الطلب أيضا ، وجعل الأمر والنهي إشارات وأمثالا ، فهم ثلاث فرق ؟ هذه إحداها ، والثانية سلكت ذلك في الخبر دون الأمر ، والثالثة سلكت ذلك في الخبر عن الله وعن صفاته دون المعاد والجنة ، وذلك كله إلحاد في أسماء الرب وصفاته ودينه واليوم الآخر ، والملحد لا يتمكن من الرد على الملحد وقد وافقه في الأصل وإن [ ص: 131 ] خالفه في فروعه ، ولهذا استطال على هؤلاء الملاحدة ابن سينا وأتباعه غاية الاستطالة ، وقالوا : القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص الصفات ، قالوا : بل الأمر فيها أسهل من نصوص الصفات ، لكثرتها وتنوعها وتعدد طرقها ، وإثباتها على وجه يتعذر معه التأويل ، فإذا كان الخطاب بها خطابا جمهوريا فنصوص المعاد أولى .

قال : فإن قلتم : نصوص الصفات قد عارضها ما يدل على انتفائها من العقل ، قلنا : ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائها ، ثم ذكر العقليات المعارضة للمعاد ما يعلم به العاقل أن العقليات المعارضة للصفات من جنسها أو أضعف منها .

المقام الثالث : مقام أهل التأويل ، قالوا : لم يرد منا اعتقاد حقائقها ، وإنما أريد منا تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها وحقائقها ، فتكلفوا لها وجوه التأويلات المستكرهة ، والمجازات المستنكرة التي يعلم العقلاء أنها أبعد شيء عن احتمال ألفاظ النصوص لها ، وأنها بالتحريف أشبه منها بالتفسير .

والطائفتان اتفقتا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق للأمة في خطابه لهم ولا أوضحه ، بل خاطبهم بما ظاهره باطل ومحال ، ثم اختلفوا ، فقال أصحاب التخييل : أراد منهم اعتقاد خلاف الحق والصواب ، وإن كان في ذلك مفسدة فالمصلحة المترتبة عليه أعظم من المفسدة التي فيه ، فقال أصحاب التأويل : بل أراد منا أن نعتقد خلاف ظاهره وحقيقته ، ولم يبين لنا المراد تعويضا إلى حصول الثواب بالاجتهاد والبحث والنظر وإعمال الفكرة في معرفة الحق بعقولنا ، وصرف تلك الألفاظ عن حقائقها وظواهرها ، لننال ثواب الاجتهاد والسعي في ذلك ، فالطائفتان متفقتان أن ظاهر خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلال وباطل ، وأنه لم يبين الحق ، ولا هدى إليه الخلق .

المقام الرابع : مقام اللاإرادية الذين يقولون : لا ندري معاني هذه الألفاظ ، وينسبون طريقهم إلى السلف ، وهي التي يقول المتأولون : إنها أسلم ، ويحتجون بقوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) ويقولون : هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف ، وهو قول أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير ، وغيرهم من السلف والخلف ، ثم وعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا أصحابهم ولا التابعون لهم بإحسان ، بل يقرءون كلاما لا يعقلون معناه .

[ ص: 132 ] ثم هم متناقضون أفحش تناقض ، فإنهم يقولون : تجرى على ظاهرها ، وتأويلها باطل ، ثم يقولون : لها تأويل لا يعلمه إلا الله ، وقول هؤلاء باطل ، فإن الله سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله ، وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور ، وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال ، واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان .

وهؤلاء طرقوا لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن يستنبطوا الحق من عقولهم ، فإن النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم طلب ، والمقتضى التام لذلك فيها موجود ، فإذا قيل لها : إن ألفاظ القرآن والسنة في ذلك لها تأويل لا يعلمه إلا الله ، ولا يعلم أحد معناها ، فرت إليه عقولهم وفطرهم وآراؤهم ، فسد هؤلاء باب الهدى والرشاد ، وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة والإلحاد وقالوا : قد أقررتم بأن ما جاءت به الرسل في هذا الباب لا يحصل منه علم بالحق ولا يهدي إليه ، فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء ، فإنا نحن نعلم ما نقول ونثبته بالأدلة العقلية ، والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه ولا بينوا مراد المتكلم به ، وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك من الخطأ في العقل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث