الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان وجوب ستر العورة في الصلاة

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " وعلى المرأة إن كانت حرة أن تستتر في صلاتها حتى لا يظهر منها شيء إلا وجهها وكفاها ، فإن ظهر منها شيء سوى ذلك أعادت الصلاة "

قال الماوردي : وهذا كما قال ستر العورة واجب في الصلاة

وقال مالك : ستر العورة مستحب في الصلاة ، وليس بواجب فمن صلى مكشوف العورة وكان الوقت باقيا أعاد وإن كان فائتا لم يعد ، وكل موضع يقول مالك أنه يعيد فيه مع بقاء الوقت يريد به استحبابا لا واجبا

واحتج بأنه لما كان واجبا لغير الصلاة لم تجب للصلاة كالصوم ، والزكاة لما وجبا لغير الصلاة لم يجبا للصلاة ولم يكونا من شرط صحتها

[ ص: 166 ] قال : ولأنه لو كان واجبا في الصلاة لكان له بدل يرجع إليه عند العجز كالقيام والقراءة فلما لم يكن له بدل دل على أنه ليس بواجب كالتسبيح ، وهذا غلط

ودليلنا قوله تعالى : يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد [ الأعراف : 31 ] . وقد اتفقوا على أن غير اللباس لا يجب ، فثبت وجوب اللباس وهو قوله تعالى : عند كل مسجد والمسجد يسمى صلاة قال الله تعالى : لهدمت صوامع وبيع وصلوات [ الحج : 40 ] يعني : مساجد

فإن قيل : نزلت هذه الآية في الطواف ، وكان سببها أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة فأنزل الله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد فوجب حمل الآية على سببها . قيل عموم اللفظ يشتمل على الطواف والصلاة ، فلا اعتبار بالسبب الخاص على أنه لما أمر بذلك في الطواف كان الأمر به في الصلاة أولى على أن الطواف يسمى صلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : الطواف صلاة

وروي عن سلمة بن الأكوع قال : قلت : يا رسول الله ، إني أخرج إلى الصيد وأصلي وليس علي إلا قميص واحد ، فقال صلى الله عليه وسلم : " زره عليك ، أو اربطه بشوكة " . فأمره بزره خوفا من ظهور عورته في ركوع ، أو سجود ، فدل على وجوب سترتها

وروى نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان معه ثوبان فليصل فيهما ، ومن لم يكن معه إلا ثوب واحد فليتزر به

وروت صفية بنت الحارث عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يقبل الله صلاة امرأة حاضت إلا بخمار أي : بلغت حال الحيض

وروي " لا يقبل الله صلاة امرأة تحيض إلا بخمار "

وأما قوله لما كان واجبا لغير الصلاة لم يجب للصلاة

فالجواب أن من أصحابنا من قال : ليس بواجب في غير الصلاة وإنما عليه في غير الصلاة أن يتوارى بما يحيل بين عورته وعيون الناس ، فإن توارى بجدار ، أو دخل بيتا جاز ، فعلى هذا يسقط هذا السؤال ، ومذهب الشافعي وجوبها لغير الصلاة ، ولا يدل على أنها لا [ ص: 167 ] تجب للصلاة ، لأن ترك الردة واجب لغير الصلاة ، وللصلاة والإيمان واجب لغير الصلاة وللصلاة ، وأما قوله لو كان واجبا لاقتضى بدلا يرجع إليه عند العجز فيبطل بالتيمم : لأنه واجب للصلاة ولا بدل له

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث