الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وجوب طاعة الله وطاعة رسوله واتباع الكتاب والسنة

[ ص: 277 ] باب في وجوب طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- واتباع الكتاب والسنة، وذم الرأي وما يليه

قال الله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة [النحل: 89] وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] فيه أن القرآن رحمة وهداية، وفيه تبيان كل شيء يحتاج إليه الناس من أحكام العبادة والمعاملة والعادة، والمواعظ والزواجر، والآداب، والقصص، والأمثال.

ويشهد لصحة هذه الدعوى، تفسير الكتاب العزيز، من سلف الأمة وأئمتها، وكل من أعطي فهما فيه، فقد رزق علما كثيرا يفتي به، ويقضي به في الناس.

وفيه الأمر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببيانه لهم، والأئمة أسوته في ذلك.

وهذا يدل على أن الله فرض عليهم اتباع ما نزل إليهم، وأنه سبحانه لم يجعل لهم إلا اتباعه واتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمن ترك القرآن والحديث فقد حرم من العلم، وبعد عن الرحمة، وخلي عن الهداية.

وقد قال سبحانه لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52].

وفيه أن الكتاب نور، وأن الحديث صراط مستقيم.

وقال: فاستمسك بالذي أوحي إليك [الزخرف: 43] وهذا نص في اتباع الكتاب، وقد ندب إليه رسوله، وأمره به، فما ظنك بغيره؟

[ ص: 278 ] وقال: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [المائدة: 49] والمراد به: كتاب الله، والمراد بالأهواء: آراء الرجال.

وقال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وهذا ظاهر في أن دين الإسلام كامل لا نقص فيه، والكامل لا يحتاج إلى كمال.

فمن زعم أن الأمة تحتاج إلى رأي الرجال وتقليد المذاهب، فقد ظن أن الدين ناقص لا يتم إلا بضم ذلك إليه. وهذا إنكار لهذه الآية الناطقة بكماله وتمامه.

ثم من على الناس بما آتاهم من العلم، وأمرهم بالاقتصار عليه، وألا يقولوا غير ما علمهم، فقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] وقال: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله [الكهف: 23 ، 24]. وقال: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36]

الآيات فيها دلالات على أن الإيمان هو ما جاء في القرآن، وأن الاستثناء لا بد منه في فعل الشيء، وأنه لا ينبغي اتباع ما في غير الكتاب والسنة.

فإن العلم عبارة عما فيهما، وما سواهما فضل أو جهل. فكأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه.

وكأن أصحابه نقلوا ذلك عنه، فكانوا أعلم الناس برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبما أراد الله من كتابه.

فعبروا عنها بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبلغوا سنته، وأدوا ما سمعوه، وهكذا حال من تبعهم بالإحسان إلى هذا الآن.

وقال تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا [الأحزاب: 36].

[ ص: 279 ] هذا صريح في أن مخالفة الكتاب والسنة في أمر من الأمور -عبادة كانت أو عقيدة أو معاملة- توجب الضلال البعيد.

ولا شك أن من علم في أمر أن حكم الله وحكم رسوله فيه كذا وكذا، ثم أفتى بما يخالف أمرهما تقليدا للمذهب، وتأييدا للمشرب، وتمسكا بالرأي، وأخذا بالهوى، فهو ضال بعيد الضلالة. وهذا الجنس كثير في أهل المذاهب والتقليدات، لا يأتي عليه حصر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث