الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
[ تعليق الفسخ والبراءة بالشروط ]

المثال السابع والثمانون : قال القاضي أبو يعلى : إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه في شهر كذا فإن لم يفعل ، وأخرها إلى شهر آخر فعليه مائتان ، فهو جائز ، وقد أبطله قوم آخرون ، قال : أما جواز الصلح من ألف على مائة فالوجه فيه أن التسعمائة لا يستفيدها بعقد الصلح ، وإنما استفادها بعقد المداينة ، وهو العقد السابق ; فعلم أنها ليست مأخوذة على وجه المعاوضة ، وإنما هي على طريق الإبراء عن بعض حقه ، قال : ويفارق هذا إذا كانت له ألف مؤجلة فصالحه على تسعمائة حالة أنه لا يجوز ; لأنه استفاد هذه التسعمائة بعقد الصلح ; لأنه لم يكن مالكا لها حالة ، وإنما كان يملكها مؤجلة ، فلهذا لم يصح .

وأما جوازه على الشرط المذكور ، وهو أنه إن لم يفعل فعليه مائتان - فلأن المصالح إنما علق فسخ البراءة بالشرط ، والفسخ يجوز تعليقه بالشرط ; وإن لم يجز تعليق البراءة بالشرط ، ألا ترى أنه لو قال : " أبيعك هذا الثوب بشرط أن تنقدني الثمن اليوم ، فإن لم تنقدني الثمن اليوم فلا بيع بيننا " إذا لم ينقد الثمن في يومه انفسخ العقد بينهما ، كذلك هاهنا ، ومن لم يجز ذلك يقول : هذا تعليق براءة المال بالشرط ، وذلك لا يجوز ، قال : والوجه في جواز هذا الصلح على مذهب الجميع أن يعجل رب المال حط ثمانمائة يحطها على كل حال ، ثم يصالح المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا على أنه إن [ ص: 15 ] أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما ، فإذا فعل هذا فقد استوثق في قول الجميع ; لأنه متى صالحه على مائتين ، وقد حط عنه الباقي يصير كأنه لم يكن عليه من الدين إلا مائتا درهم ، ثم صالحه عن المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا فإن أخرها فلا صلح بينهما ، فيكون على قول الجميع فسخ العقد معلقا بترك النقد ، وذلك جائز على ما بيناه في البيع .

فإن أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى ، فهي كتابة فاسدة ; لأنه علق إيجاب المال بخطر ، وتعليق المال بالأخطار لا يجوز ، والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم ، ويكتب عليه بذلك كتابا ، ثم يصالحه بعد ذلك على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما ، فيكون تعليقا للفسخ بخطر ، وذلك جائز على ما قدمناه من مسألة البيع ; فإن كان السيد كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد أن يصالح سيده على النصف يعجلها له ; فإن ذلك جائز عندنا ، ويبطله غيرنا ، انتهى كلامه .

التالي السابق


الخدمات العلمية