الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 36 ] القول في تأويل قوله تعالى ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أحصرتم ، فأردتم الإحلال من إحرامكم ، فعليكم ما استيسر من الهدي . ولا تحلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى يبلغ الهدي الذي أوجبته عليكم لإحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتم فيه ، قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه محله . وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه . فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه ، حتى يبلغ الهدي - الذي أباح الله جل ثناؤه له الإحلال بإهدائه - محله .

ثم اختلف أهل العلم في" محل" الهدي الذي عناه الله جل اسمه ، الذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الذي أحصر فيه .

فقال بعضهم : محل هدي المحصر الذي يحل به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه إذا كان إحصاره من خوف عدو منعه ذبحه ، إن كان مما يذبح ، أو نحره إن كان مما ينحر ، في الحل ذبح أو نحر أو في الحرم [ حيث حبس ] [ ص: 37 ]

وإن كان من غير خوف عدو فلا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة . وهذا قول من قال : الإحصار إحصار العدو دون غيره .

ذكر من قال ذلك :

3287 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية ، فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم ، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت ، وقبل أن يصل إليه الهدي . ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه ، أن يقضوا شيئا ، ولا أن يعودوا لشيء .

3288 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن نافع : أن عبد الله بن عمر خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة ، فقال : إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأهل بعمرة من أجل أن النبي كان أهل بعمرة عام الحديبية . ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال : ما أمرهما إلا واحد . قال : فالتفت إلى أصحابه فقال : ما أمرهما إلا واحد ، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة . قال : ثم طاف طوافا واحدا ، ورأى أن ذلك مجز عنه وأهدى .

قال يونس : قال ابن وهب : قال مالك : وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت .

قال : وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت ، فقال : يحل من كل شيء ، وينحر هديه ، ويحلق رأسه حيث حبس ، وليس عليه قضاء ، إلا أن يكون لم يحج قط ، فعليه أن يحج حجة الإسلام . [ ص: 38 ]

3289 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا مالك ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار : أن عبد الله بن عمر ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي ، وصرع في الحج ببعض الطريق ، أن يتداوى بما لا بد منه ، ويفتدي ، ثم يجعلها عمرة ، ويحج عاما قابلا ويهدي .

قال يونس : قال ابن وهب : قال مالك : وذلك الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو .

قال : وقال مالك : وكل من حبس عن الحج بعد ما يحرم إما بمرض ، أو خطأ في العدد ، أو خفي عليه الهلال ، فهو محصر ، عليه ما على المحصر - يعني من المقام على إحرامه - حتى يطوف أو يسعى ، ثم الحج من قابل والهدي .

3290 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : أخبرني أيوب بن موسى أن داود بن أبي عاصم أخبره أنه حج مرة فاشتكى ، فرجع إلى الطائف ولم يطف بين الصفا والمروة . فكتب إلى عطاء بن أبي رباح يسأله عن ذلك ، وأن عطاء كتب إليه : أن أهرق دما

وعلة من قال بقول مالك : في أن محل الهدي في الإحصار بالعدو نحره حيث حبس صاحبه ، ما : -

3291 - حدثنا به أبو كريب ومحمد بن عمارة الأسدي ، قالا حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا موسى بن عبيدة ، قال : أخبرني أبو مرة مولى أم هانئ ، عن ابن عمر ، قال : لما كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية ، [ ص: 39 ] عرض له المشركون فردوا وجهه ، قال : فنحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي حيث حبسوه - وهي الحديبية - وحلق ، وتأسى به أناس فحلقوا حين رأوه حلق ، وتربص آخرون فقالوا : لعلنا نطوف بالبيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله المحلقين! قيل : والمقصرين ! قال : رحم الله المحلقين ! قيل : والمقصرين ! قال : "والمقصرين" .

3292 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا معمر عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، قالا لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية بينه وبين مشركي قريش - وذلك بالحديبية ، عام الحديبية - قال لأصحابه : "قوموا فانحروا واحلقوا . قال : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات . فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة ، فذكر ذلك لها ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله اخرج ، ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حلاقك فتحلق . فقام فخرج ، فلم يكلم منهم أحدا حتى فعل ذلك . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما . [ ص: 40 ]

قالوا : فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه حين صده المشركون عن البيت بالحديبية ، وحل هو وأصحابه . قالوا : والحديبية ليست من الحرم . قالوا : ففي مثل ذلك دليل واضح على أن معنى قوله : " حتى يبلغ الهدي محله " ، حتى يبلغ بالذبح أو النحر محل أكله ، والانتفاع به في محل ذبحه ونحره .

3293 - كما روي عن نبي الله عليه الصلاة والسلام في نظيره إذ أتي بلحم - أتته بريرة - من صدقة كان تصدق به عليها ، فقال : قربوه فقد بلغ محله .

يعني : فقد بلغ محل طيبه وحلاله له بالهدية إليه بعد أن كان صدقة على بريرة . [ ص: 41 ]

وقال بعضهم : محل هدي المحصر الحرم لا محل له غيره .

ذكر من قال ذلك :

3294 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد : أن عمرو بن سعيد النخعي أهل بعمرة ، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها ، فخرج أصحابه إلى الطريق يتشوفون الناس ، فإذا هم بابن مسعود ، فذكروا ذلك له ، فقال : ليبعث بهدي ، واجعلوا بينكم يوم أمارة ، فإذا ذبح الهدي فليحل ، وعليه قضاء عمرته .

3295 - حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : حدثنا إسحاق ، عن شريك ، عن سليمان بن مهران ، عن عمارة بن عمير وإبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال : خرجنا مهلين بعمرة فينا الأسود بن يزيد ، حتى نزلنا ذات الشقوق ، فلدغ صاحب لنا ، فشق ذلك عليه مشقة شديدة ، فلم ندر كيف نصنع به ، فخرج بعضنا إلى الطريق ، فإذا نحن بركب فيه عبد الله بن مسعود ، فقلنا له : يا أبا عبد الرحمن رجل منا لدغ ، فكيف نصنع به؟ قال : يبعث معكم بثمن هدي ، فتجعلون بينكم وبينه يوما أمارة ، فإذا نحر الهدي فليحل ، وعليه عمرة في قابل .

3296 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا مؤمل ، قال : حدثنا سفيان ، عن [ ص: 42 ] الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : بينا نحن بذات الشقوق فلبى رجل منا بعمرة فلدغ ، فمر علينا عبد الله فسألناه ، فقال : اجعلوا بينكم وبينه يوم أمار ، فيبعث بثمن الهدي ، فإذا نحر حل وعليه العمرة .

3297 - حدثني محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سمعت إبراهيم النخعي يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : أهل رجل منا بعمرة ، فلدغ ، فطلع ركب فيهم عبد الله بن مسعود ، فسألوه ، فقال : يبعث بهدي ، واجعلوا بينكم وبينه يوما أمارا ، فإذا كان ذلك اليوم فليحل وقال عمارة بن عمير : فكان حسبك به عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله وعليه العمرة من قابل .

3298 - حدثني أبو السائب ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : خرجنا عمارا ، فلما كنا بذات الشقوق لدغ صاحب لنا ، فاعترضنا للطريق نسأل عما نصنع به ، فإذا عبد الله بن مسعود في ركب ، فقلنا له : لدغ صاحب لنا ؟ فقال : اجعلوا بينكم وبين صاحبكم يوما ، وليرسل بالهدي ، فإذا نحر الهدي فليحلل ، ثم عليه العمرة .

3299 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، عن الحجاج ، قال : حدثني عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن ابن مسعود : أن عمرو بن سعيد النخعي [ ص: 43 ] أهل بعمرة ، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها ، فخرج أصحابه إلى الطريق يتشوفون الناس ، فإذا هم بابن مسعود ، فذكروا ذلك له فقال : ليبعث بهدي ، واجعلوا بينكم وبينه يوم أمار ، فإذا ذبح الهدي فليحل ، وعليه قضاء عمرته .

3300 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" ، يقول : من أحرم بحج أو عمرة ، ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عذر يحبسه ، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي ، شاة فما فوقها يذبح عنه . فإن كانت حجة الإسلام ، فعليه قضاؤها ، وإن كانت حجة بعد حجة الفريضة أو عمرة فلا قضاء عليه .

ثم قال : " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله " فإن كان أحرم بالحج فمحله يوم النحر ، وإن كان أحرم بعمرة فمحل هديه إذا أتى البيت .

3301 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" ، فهو الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كان يحبس عن البيت ، فيهدي إلى البيت ، ويمكث على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله . فإذا بلغ الهدي محله حلق رأسه ، فأتم الله له حجه . والإحصار أيضا أن يحال بينه وبين الحج ، فعليه هدي : إن كان موسرا من الإبل ، وإلا فمن البقر ، وإلا فمن الغنم ، ويجعل حجه عمرة ، ويبعث بهديه إلى البيت . فإذا نحر الهدي فقد حل ، وعليه الحج من قابل .

3302 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، حدثنا بشر بن السري ، [ ص: 44 ] عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال : سئل علي رضي الله عنه عن قول الله عز وجل : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " فإذا أحصر الحاج بعث بالهدي ، فإذا نحر عنه حل ، ولا يحل حتى ينحر هديه .

3303 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، قال : سمعت عطاء يقول : من حبس في عمرته ، فبعث بهدية فاعترض لها فإنه يتصدق بشيء أو يصوم ، ومن اعترض لهديته ، وهو حاج ، فإن محل الهدي والإحرام يوم النحر ، وليس عليه شيء .

3304 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، مثله .

3305 - حدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله " ، الرجل يحرم ثم يخرج فيحصر ، إما بلدغ أو مرض فلا يطيق السير ، وإما تنكسر راحلته ، فإنه يقيم ، ثم يبعث بهدي ، شاة فما فوقها . فإن هو صح فسار فأدرك فليس عليه هدي ، وإن فاته الحج فإنها تكون عمرة ، وعليه من قابل حجة . وإن هو رجع لم يزل محرما حتى ينحر عنه يوم النحر .

فإن هو بلغه أن صاحبه لم ينحر عنه عاد محرما وبعث بهدي آخر ، فواعد صاحبه يوم ينحر عنه بمكة ، فتنحر عنه بمكة ، ويحل ، وعليه من قابل حجة وعمرة - ومن الناس من يقول : عمرتان . وإن كان أحرم بعمرة ثم رجع وبعث بهديه ، فعليه من قابل عمرتان . وأناس يقولون : لا بل ثلاث عمر ، نحوا مما صنعوا في الحج حين صنعوا ، عليه حجة وعمرتان .

3306 - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد ، قال : أخبرنا إسحاق الأزرق ، عن أبي بشر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وعطاء ، عن ابن عباس ، قال : إذا أحصر الرجل بعث بهديه إذا كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدو . [ ص: 45 ]

فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة ، فإنه يبعث بها مكانه ، ويواعد صاحب الهدي . فإذا أمن فعليه أن يحج ويعتمر . فإن أصابه مرض يحبسه وليس معه هدي ، فإنه يحل حيث يحبس . وإن كان معه هدي ، فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله إذا بعث به ، وليس عليه أن يحج قابلا ولا يعتمر ، إلا أن يشاء .

وقال أبو جعفر : وعلة من قال هذه المقالة أن محل الهدايا والبدن الحرم أن الله عز وجل ذكر البدن والهدايا فقال : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ) [ الحج : 32 - 33 ] فجعل محلها الحرم ، ولا محل للهدي دونه .

قالوا : وأما ما ادعاه المحتجون بنحر النبي صلى الله عليه وسلم هداياه بالحديبية حين صد عن البيت ، فليس ذلك بالقول المجتمع عليه ، وذلك أن :

3307 - الفضل بن سهل حدثني ، قال : حدثنا مخول بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن مجزأة بن زاهر الأسلمي ، عن أبيه ، عن ناجية بن جندب الأسلمي ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم حين صد عن الهدي ، فقلت : يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلننحره بالحرم ! قال : كيف تصنع به؟ قلت : آخذ به أودية فلا يقدرون عليه! فانطلقت به حتى نحرته بالحرم . [ ص: 46 ]

قالوا : فقد بين هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هداياه في الحرم ، فلا حجة لمحتج بنحره بالحديبية في غير الحرم .

وقال آخرون : معنى هذه الآية وتأويلها على غير هذين الوجهين اللذين وصفنا من قول الفريقين اللذين ذكرنا اختلافهم على ما ذكرنا . وقالوا : إنما معنى ذلك : فإن أحصرتم أيها المؤمنون عن حجكم - فمنعتم من المضي لإحرامه لعائق مرض أو خوف عدو - وأداء اللازم لكم وحجكم ، حتى فاتكم الوقوف بعرفة ، فإن عليكم ما استيسر من الهدي ، لما فاتكم من حجكم ، مع قضاء الحج الذي فاتكم . فقال أهل هذه المقالة : ليس للمحصر في الحج - بالمرض والعلل غيره - الإحلال إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة إن فاته الحج . قالوا : فأما إن أطاق شهود المشاهد ، فإنه غير محصر . قالوا : وأما العمرة فلا إحصار فيها ، لأن وقتها موجود أبدا . قالوا : والمعتمر لا يحل إلا بعمل آخر ما يلزمه في إحرامه . [ ص: 47 ]

قالوا : ولم يدخل المعتمر في هذه الآية ، وإنما عني بها الحاج .

ثم اختلف أهل هذه المقالة . فقال بعضهم : لا إحصار اليوم بعدو ، كما لا إحصار بمرض يجوز لمن فاته أن يحل من إحرامه قبل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة .

ذكر من قال ذلك :

3308 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن طاوس ، قال : قال ابن عباس : لا إحصار اليوم .

3309 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني عبد الرحمن بن القاسم أن عائشة قالت : لا أعلم المحرم يحل بشيء دون البيت .

3310 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : لا حصر إلا من حبسه عدو ، فيحل بعمرة ، وليس عليه حج ولا عمرة .

وقال آخرون منهم : حصار العدو ثابت اليوم وبعد اليوم ، على نحو ما ذكرنا من أقوالهم الثلاثة التي حكينا عنهم .

ذكر من قال ذلك وقال : معنى الآية : فإن أحصرتم عن الحج حتى فاتكم ، فعليكم ما استيسر من الهدي لفوته إياكم :

3311 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، قال : كان عبد الله بن عمر ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت والصفا والمروة ، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما [ ص: 48 ] قابلا ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديا .

3312 - حدثني محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : المحصر لا يحل من شيء حتى يبلغ البيت ، ويقيم على إحرامه كما هو ، إلا أن تصيبه جراحة - أو جرح - فيتداوى بما يصلحه ويفتدي . فإذا وصل إلى البيت ، فإن كانت عمرة قضاها ، وإن كانت حجة فسخها بعمرة ، وعليه الحج من قابل والهدي ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع .

3313 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر مر على ابن حزابة وهو بالسقيا ، فرأى به كسرا ، فاستفتاه ، فأمره أن يقف كما هو لا يحل من شيء حتى يأتي البيت إلا أن يصيبه أذى فيتداوى وعليه ما استيسر من الهدي . وكان أهل بالحج .

3314 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ، قال : من أحصر بعد أن يهل بحج ، فحبسه خوف أو مرض أو خلأ له ظهر يحمله ، أو شيء من الأمور كلها ، فإنه يتعالج لحبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه ، غير أنه لا يحل من النساء والطيب ، ويفتدي بالفدية التي أمر الله بها صيام أو صدقة أو نسك . فإن فاته الحج وهو بمحبسه ذلك ، أو فاته أن يقف في مواقف عرفة قبل الفجر من ليلة المزدلفة ، فقد فاته الحج ، وصارت حجته عمرة : يقدم مكة فيطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، فإن كان معه هدي نحره بمكة قريبا من [ ص: 49 ] المسجد الحرام ، ثم حلق رأسه ، أو قصر ، ثم حل من النساء والطيب وغير ذلك . ثم عليه أن يحج قابلا ويهدي ما تيسر من الهدي .

3315 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة . وإن اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى .

فهذا ما روي عن ابن عمر في الإحصار بالمرض وما أشبهه ، وأما في المحصر بالعدو فإنه كان يقول فيه بنحو القول الذي ذكرناه قبل عن مالك بن أنس أنه كان يقوله .

3316 - حدثني تميم بن المنتصر ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : أخبرنا عبيد الله ، عن نافع : أن ابن عمر أراد الحج حين نزل الحجاج بابن الزبير فكلمه ابناه سالم وعبيد الله ، فقالا لا يضرك أن لا تحج العام ، إنا نخاف أن يكون بين الناس قتال فيحال بينك وبين البيت ! قال : إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حال كفار قريش بينه وبين البيت فحلق ورجع .

وأما ما ذكرناه عنهم في العمرة من قولهم : " إنه لا إحصار فيها ولا حصر" ، فإنه : -

3317 - حدثني به يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثني هشيم ، عن أبي بشر ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه أهل بعمرة فأحصر ، قال : فكتب إلى ابن عباس وابن عمر ، فكتبا إليه أن يبعث بالهدي ، ثم يقيم حتى يحل من عمرته . قال : فأقام ستة أشهر أو سبعة أشهر . [ ص: 50 ]

3318 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : أخبرنا يعقوب ، عن أبي العلاء بن الشخير ، قال : خرجت معتمرا فصرعت عن بعيري ، فكسرت رجلي ، فأرسلنا إلى ابن عباس وابن عمر نسألهما ، فقالا إن العمرة ليس لها وقت كوقت الحج ، لا تحل حتى تطوف بالبيت . قال : فأقمت بالدثينة أو قريبا منه سبعة أشهر أو ثمانية أشهر .

3319 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني مالك ، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال : خرجت إلى مكة ، حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي ، فأرسلت إلى مكة إلى عبد الله بن عباس ، وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس ، فلم يرخص لي أحد أن أحل ، فأقمت على ذلك إلى سبعة أشهر ، حتى أحللت بعمرة .

3320 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن شهاب في رجل أصابه كسر وهو معتمر ، قال : يمكث على إحرامه حتى يأتي البيت ويطوف به وبالصفا والمروة ، ويحلق أو يقصر ، وليس عليه شيء .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من [ ص: 51 ] قال : إن الله عز وجل عنى بقوله : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله " كل محصر في إحرام ، بعمرة كان إحرام المحصر أو بحج . وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه ، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله - . وتأول ب "المحل" المنحر أو المذبح ، وذلك حين حل نحره أو ذبحه ، في حرم كان أو في حل ، وألزمه قضاء ما حل منه من إحرامه قبل إتمامه إذا وجد إليه سبيلا وذلك لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صد عام الحديبية عن البيت وهو محرم وأصحابه بعمرة ، فنحر هو وأصحابه بأمره الهدي ، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلى البيت ، ثم قضوا إحرامهم الذي حلوا منه في العام الذي بعده . ولم يدع أحد من أهل العلم بالسير ولا غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من أصحابه أقام على إحرامه انتظارا للوصول إلى البيت والإحلال بالطواف به وبالسعي بين الصفا والمروة ، ولا تحفى وصول هديه إلى الحرم .

فأولى الأفعال أن يقتدى به ، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يأت بحظره خبر ، ولم تقم بالمنع منه حجة . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان أهل العلم مختلفين فيما اخترنا من القول في ذلك فمن متأول معنى الآية تأويلنا ، ومن مخالف ذلك ، ثم كان ثابتا بما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النقل كان الذي نقل عنه أولى الأمور بتأويل الآية ، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلم أنها يومئذ نزلت وفي حكم صد المشركين إياه عن البيت أوحيت . [ ص: 52 ]

وقد روي بنحو الذي قلنا في ذلك خبر .

3321 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثني الحجاج بن أبي عثمان ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه ، قال : حدثني الحجاج بن عمرو الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى" قال : فحدثت ابن عباس وأبا هريرة بذلك ، فقالا صدق .

3322 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا مروان ، قال : حدثنا حجاج الصواف وحدثنا حميد بن مسعدة ، قال : حدثنا سفيان بن حبيب ، عن الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن الحجاج بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، وعن ابن عباس وأبي هريرة .

ومعنى هذا الخبر الأمر بقضاء الحجة التي حل منها ، نظير فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قضائهم عمرتهم التي حلوا منها عام الحديبية من القابل في عام عمرة القضية . [ ص: 53 ]

ويقال لمن زعم أن الذي حصره عدو ، إذا حل من إحرامه التطوع فلا قضاء عليه ، وأن المحصر بالعلل عليه القضاء : ما العلة التي أوجبت على أحدهما القضاء ، وأسقطت عن الآخر ، وكلاهما قد حل من إحرام كان عليه إتمامه لولا العلة العائقة ؟

فإن قال : لأن الآية إنما نزلت في الذي حصره العدو ، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلى غير ما نزلت فيه

قيل له : قد دافعك عن ذلك جماعة من أهل العلم ، غير أنا نسلم لك ما قلت في ذلك ، فهلا كان حكم المنع بالمرض والإحصار له حكم المنع بالعدو ، إذ هما متفقان في المنع من الوصول إلى البيت وإتمام عمل إحرامهما ، وإن اختلفت أسباب منعهما ، فكان أحدهما ممنوعا بعلة في بدنه ، والآخر بمنع مانع؟ ثم يسأل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس ، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .

وأما الذين قالوا : لا إحصار في العمرة ، فإنه يقال لهم : قد علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صد عن البيت ، وهو محرم بالعمرة ، فحل من إحرامه؟ فما برهانكم على عدم الإحصار فيها؟ أورأيتم إن قال قائل : لا إحصار في حج ، وإنما فيه فوت ، وعلى الفائت الحج المقام على إحرامه حتى يطوف بالبيت ، ويسعى بين الصفا والمروة ، لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن في الإحصار في الحج سنة؟ فقد قال ذلك جماعة من أئمة الدين . فأما العمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سن فيها ما سن ، وأنزل الله تبارك وتعالى في حكمها ما بين من الإحلال والقضاء الذي فعله صلى الله عليه وسلم ، ففيها الإحصار دون الحج هل بينها وبينه فرق؟ ثم يعكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث