الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الاستلقاء في المسجد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 573 ] 85 - باب

الاستلقاء في المسجد

463 475 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن تميم، عن عمه، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى.

وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك

التالي السابق


138 هذا الحديث رواه أكابر أصحاب الزهري ، عنه، عن عباد ، عن عمه.

وخالفهم عبد العزيز بن الماجشون ، فرواه عن الزهري : حدثني محمود بن لبيد ، عن عباد .

فزاد في إسناده: " محمود بن لبيد " وهو وهم -: قاله مسلم بن الحجاج ، وأبو بكر الخطيب وغيرهما.

وعم عباد بن تميم هو: عبد الله بن زيد بن عاصم المازني صاحب حديث الوضوء.

والاستلقاء في المسجد جائز على أي وجه كان، ما لم يكن منبطحا على وجهه ; فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك، وقال: "إنها ضجعة يبغضها الله عز وجل". وقد ذكرنا إسناده في "باب النوم في المسجد".

[ ص: 574 ] وقد ذكر الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عمر وعثمان ، أنهما كانا يفعلان ذلك.

وأما الاستلقاء على هذا الوجه، وهو وضع إحدى الرجلين على الأخرى في المسجد وغيره فقد اختلف فيه:

فروي كراهته والتغليظ فيه عن كعب بن عجرة ، وأبي سعيد ، وقتادة بن النعمان ، وسعيد بن جبير .

وقد روي النهي عنه مرفوعا. خرجه مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويروى - أيضا - من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأخي أبي سعيد - وهو: قتادة بن النعمان .

وأما أكثر العلماء فرخصوا فيه.

وممن روي أنه كان يفعله: عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه.

واختلفوا في أحاديث النهي:

فمنهم من قال: هي منسوخة بحديث الرخصة، ورجحه الطحاوي وغيره.

ومنهم من قال: هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته، أو لم يكن عليه سراويل، روي ذلك عن الحسن .

وروي عنه أنه قال فيمن كره ذلك: ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود .

خرجه الطحاوي .

[ ص: 575 ] وروى عبد الرزاق في "كتابه" عن معمر ، عن الزهري ، قال: أخبرني ابن المسيب ، قال: كان ذلك من عمر وعثمان ما لا يحصى منهما. قال الزهري : وجاء الناس بأمر عظيم.

وقال الحكم : سئل أبو مجلز عن الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى؟ فقال: لا بأس به، إنما هذا شيء قاله اليهود : إن الله لما خلق السماوات والأرض استراح، فجلس هذه الجلسة، فأنزل الله عز وجل: ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب .

خرجه أبو جعفر بن أبي شيبة في "تاريخه".

وقد ذكر غير واحد من التابعين: أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود : إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، منهم: عكرمة وقتادة .

فهذا كلام أئمة السلف في إنكار ذلك ونسبته إلى اليهود ، وهذا يدل على أن الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعه، وإنما هو متلقى عن اليهود ، ومن قال: إنه على شرط الشيخين فقد أخطأ.

وهو من رواية محمد بن فليح بن سليمان ، عن أبيه، عن سعيد بن الحارث ، عن عبيد بن حنين : سمع قتادة بن النعمان يحدثه، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بمعنى قول أبي مجلز . وفي آخره: وقال عز وجل: "إنها لا تصلح لبشر".

وعبيد بن حنين قيل: إنه لم يسمع من قتادة بن النعمان - قاله البيهقي .

[ ص: 576 ] وفليح وإن خرج له البخاري فقد سبق كلام أئمة الحفاظ في تضعيفه، وكان يحيى بن سعيد يقشعر من أحاديثه، وقال أبو زرعة - فيما رواه عنه سعيد البرذعي -: فليح واهي الحديث، وابنه محمد واهي الحديث.

ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه أنه قال: "إنها لا تصلح لبشر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان قد انتسخ فعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلم أصحابه به، وأتبعهم لهديه وسنته.

وقد روي عن قتادة بن النعمان من وجه آخر منقطع، من رواية سالم أبي النضر ، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه - أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك.

خرجه الإمام أحمد .

وهذا محتمل، كما رواه عنه جابر وغيره.

فأما هذه الطامة، فلا تحتمل أصلا.

وقد قيل: إن هذه مما اشتبه على بعض الرواة فيه ما قاله بعض اليهود ، فظنه مرفوعا فرفعه، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة، وأنكر ذلك عليهم، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أهل الكتاب .

فروى مسلم بن الحجاج في "كتاب التفصيل" والبيهقي في "المدخل" من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن عبد الله بن عروة ، عن عروة ، أن الزبير سمع رجلا يحدث حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاستمع الزبير له، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال [ ص: 577 ] الرجل: نعم. فقال الزبير : هذا وأشباهه مما يمنعنا أن نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد - لعمري - سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حاضر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ هذا الحديث، فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه، فجئت أنت بعد أن تقضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى مسلم - أيضا - في "كتاب التفصيل" بإسناد صحيح، عن بكير بن الأشج ، قال: قال لنا بسر بن سعيد : أيها الناس، اتقوا الله، وتحفظوا في الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة ، فيحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحدثنا عن كعب ، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلت بأنها موقوفة: إما على عبد الله بن سلام ، أو على كعب ، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها - لطال الأمر.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث