الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 98 ] فصل في الإيصاء وهو كالوصاية لغة ، يرجع لما مر في الوصية وشرعا : إثبات تصرف مضاف لما بعد الموت ، فالفرق بينهما اصطلاح فقهي ( يسن ) لكل أحد ( الإيصاء ) عدل إليه عن قول المحرر الوصاية ; لأنه أبعد عن لفظ الوصية الموهم ترادفهما عند المبتدي ( بقضاء الدين ) سواء كان لله كزكاة أم لآدمي ورد المظالم كالمغصوب وأداء الحقوق كالعواري والودائع إن كانت ثابتة بفرض إنكار الورثة ولم يردها وإلا وجب أن يعلم بها غير وارث تثبت بقوله ولو واحدا ظاهر العدالة كما هو ظاهر القياس أو يردها حالا خوفا من خيانة الوارث ، وظاهر أن نحو المغصوب لقادر على رده فورا لا تخيير فيه بل يتعين الرد ، والأوجه الاكتفاء بخطه إن كان في البلد من يثبته ، ولا مانع منه ; لأنهم كما اكتفوا بالواحد مع أنه وإن انضم إليه يمين غير حجة عند بعض المذاهب نظرا لمن يراه حجة فكذلك الخط نظرا لذلك .

نعم من بإقليم يتعذر فيه من يثبت بالخط أو يقبل الشاهد واليمين فالأقرب عدم الاكتفاء بهما ( وتنفيذ الوصايا ) إن أوصى بشيء وإنما صحت في نحو رد عين وفي دفعها والوصية بها لمعين وإن كان لمستحقها الاستقلال بأخذها من التركة ، بل لو أخذها أجنبي من التركة ودفعها إليه لم يضمنها كما صرح به الماوردي ، وذلك لأن الوارث قد يخفيها أو يتلفها ويطالب الوصي الوارث بنحو ردها ليبرأ الميت وتبقى تحت يد الوصي لا الحاكم لو غاب مستحقا ، وكذا لو تعذر قول الموصى له بها .

قاله ابن الرفعة بحثا ، وقال السبكي : هي قبل [ ص: 99 ] القبول ملك للوارث فله الامتناع من دفعها للوصي فيأخذها الحاكم إلى أن يستقر أمرها

ومعنى قوله ملك للوارث : أي بفرض عدم القبول فكان له دخل فيمن تبقى تحت يده ، والأوجه فيما لو أوصى للفقراء مثلا أنه إن عين لذلك وصيا لم يكن للقاضي دخل فيه إلا من حيث المطالبة بالحساب ومنع إعطاء من لا يستحق ، وإلا تولى هو أو نائبه الصرف ، ولو أخرج الوصي الوصية من ماله ليرجع في التركة رجع إن كان وارثا وإلا فلا : أي إلا إن أذن له حاكم أو جاء وقت الصرف الذي عينه الحاكم وفقد الحاكم ولم يتيسر بيع التركة فأشهد بنية الرجوع كما هو قياس نظائره ، وسيأتي ما يؤيده .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( فصل ) في الإيصاء .

( قوله : في الإيصاء ) أي وفيما يتبع ذلك كتصديق الولي إلخ ( قوله : يرجع لما مر ) أي من أنها الإيصال إلخ ( قوله : فالفرق بينهما ) أي الإيصاء والوصية ( وقوله ولم يردها ) أي العواري إلخ ( قوله : بل يتعين الرد ) أي على من هو تحت يده ( قوله : إن كان في البلد إلخ ) أي ومثل البلد ما قرب منها كما يرشد إليه قوله نعم من بإقليم إلخ ، فالمدار على كونه بمحل يمكن الإثبات فيه بالخط أو الشاهد واليمين ، وقوله من يثبته : أي يثبت الحق بخطه كالمالكية ( قوله : وإنما صحت في نحو رد عين ) ومثل العين دين في التركة جنسه كما يأتي عند قول المصنف لم ينفرد إلخ ( قوله : والوصية ) أي والحال ( قوله : ودفعها إليه ) أي فلو تلفت في يده ضمنها مطلقا ، لكن يأتي أن المعتمد إباحة الإقدام خلافا لما بحثاه وهو قد يقتضي عدم الضمان ، إلا أن يقال : لا يلزم من جواز الإقدام عدم الضمان لجواز أنه تصرف مشروط بسلامة العاقبة ( قوله : ويطالب ) مستأنف ، وقوله ويبقى تحت يد الوصي معتمد ( قوله لا الحاكم ) أي فلو ردها إليه بلا طلب من الحاكم هل يضمن أم لا ؟ فيه نظر ( قوله : وكذا لو تعذر قبول الموصى له إلخ ) معتمد : أي يطالب الوصي الوارث بالعين الموصى بها عند تعذر قبول الموصى له عند غيبته فيأخذها الوصي [ ص: 99 ] ليحفظها إلى حضور الموصى له ، فإن قبل سلمها له وإن رد دفعها للوارث ( قوله : دخل فيمن تبقى تحت يده إلخ ) أي وفي مدة الانتظار هل تجب النفقة على الوارث أو لا ، وعلى وجوبها عليه هل يرجع بها على الموصى له إذا قبل لتبين أنه أنفق على ملك غيره أو لا ؟ فيه نظر ، ولا يبعد أنه إن تمكن من رفع الأمر إلى الحاكم ولم يفعل لا رجوع له لتقصيره بعدم طلب القبول من الموصى له ليعلم هل يقبل أو لا ( قوله : وإلا تولى هو أو نائبه الصرف ) قال سم على حج : ظاهره وإن وجد وارث ، لكن قول العباب الآتي مطالبة الورثة بالفعل تدل على أن للوارث تولي الصرف ، وعبارة العباب : ولو قال اجعل كفني من هذه الدراهم فله الشراء بعينها أو في الذمة ويقضي منها ولو أوصى بتجهيزه ولم يعين مالا فأراد الوارث بذله من نفسه لم يمنعه الوصي ، وإن أراد بيع بعض لذلك وأراد الوصي أن يتعاطاه فأيهما أحق ؟ وجهان انتهت .

فانظر قوله فأيهما أحق هل يشكل على قوله للوصي بقضاء الدين وتنفيذ الوصية مطالبة الورثة بالفعل أو بإعطائه التركة ليفعل ، فإن باع بلا مراجعة بطل ، فإن غابوا اتجه مراجعته للقاضي ليأذن له فيه ا هـ .

فإنه إذا وجبت المراجعة فكيف يتمكن من البيع مع منازعة من تجب مراجعته حتى يكون أحق إلا أن يستثني هذا أو يكون ذاك على الوجه الآخر ، ولعل الأوجه أن يجاب بأنه إنما وجبت مراجعته لاحتمال أن يريد إمساك التركة والصرف من ماله ، وعند إرادة بيع البعض لذلك اندفع هذا الاحتمال فجاز الاختلاف في الأحق منهما ا هـ ( قوله : ولو أخرج الوصي إلخ ) قضية التقييد بالوصي أن غيره إذا أخرج من ماله ليرجع لا يجوز له أخذ بدل ما صرفه من التركة ، وإن كان وارثا فطريق من أراد التصرف في تركة الميت ولا وصاية له أن يستأذن الحاكم فتنبه له فإنه يقع كثيرا ( قوله : فأشهد بنية الرجوع ) ظاهره وإن كان في الورثة من هو محجور عليه بصبا أو جنون أو سفه .



حاشية المغربي

[ ص: 98 ] فصل ) في الإيصاء

( قوله : ورد المظالم ) عطف على قضاء الدين ( قوله : وإنما صحت ) أي الوصايا ( قوله : ويطالب الوصي الوارث بنحو ردها ليبرأ الميت وتبقى إلخ ) الظاهر أنهما معطوفان على قوله ; لأن الوارث إلخ فهما من فوائد صحتها فيما [ ص: 99 ] ذكر ، وفي حاشية الشيخ أنه مستأنف فليراجع . ( قوله : إلا إن أذن له حاكم إلخ ) صريح هذا الصنيع أن إذن الحاكم يكفيه في الرجوع إذا صرف من ماله وإن كان في التركة ما يتيسر الصرف منه . والظاهر أنه غير مراد كما يدل عليه قوله كما هو قياس نظائره إذ هو على هذا الوجه ليس قياس النظائر ، ويصرح به ما سيأتي فيما لو أوصى ببيع بعض التركة وإخراج كفنه من ثمنه من أن إذن الحاكم إنما يفيد عند التعذر ، ثم قال عقبه نظير ما مر آنفا ، إذ هذا هو الذي أراده بما مر آنفا كما هو ظاهر ، وهو لا يكون نظيره إلا إن ساواه فيما ذكر ( قوله : الذي عينه الحاكم ) عبارة التحفة الذي عينه الميت انتهت ولعلها الصواب



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث