الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أنواع اليمين في الكتاب والسنة

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عمن حلف بالطلاق على أمر من الأمور ثم حنث في يمينه : هل يقع به الطلاق أم لا ؟

التالي السابق


فأجاب : المسألة فيها نزاع بين السلف والخلف على ثلاثة أقوال . [ ص: 216 ] " أحدها " أنه يقع الطلاق إذا حنث في يمينه وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء المتأخرين حتى اعتقد طائفة منهم أن ذلك إجماع ; ولهذا لم يذكر عامتهم عليه حجة وحجتهم عليه ضعيفة جدا وهي : أنه التزم أمرا عند وجود شرط فلزمه ما التزمه . وهذا منقوض بصور كثيرة وبعضها مجمع عليه : كنذر الطلاق والمعصية والمباح وكالتزام الكفر على وجه اليمين ; مع أنه ليس له أصل يقاس به إلا وبينهما فرق مؤثر في الشرع ولا دل عليه عموم نص ولا إجماع ; لكن لما كان موجب العقد لزوم ما التزمه صار يظن في بادئ الرأي أن هذا عقد لازم وهذا يوافق ما كانوا عليه في أول الإسلام قبل أن ينزل الله كفارة اليمين موجبة ومحرمة كما يقال : إنه كان [ شرع ] من قبلنا . لكن نسخ هذا شرع محمد صلى الله عليه وسلم وفرض للمسلمين تحلة أيمانهم وجعل لهم أن يحلوا عقد اليمين بما فرضه من الكفارة .

وأما إذا لم يحنث في يمينه فلا يقع به الطلاق بلا ريب ; إلا على قول ضعيف يروى عن شريح ويذكر رواية عن أحمد فيما إذا قدم الطلاق . وإذا قيل : يقع به الطلاق ; فإن نوى باليمين الثانية توكيد الأولى - لا إنشاء يمين أخرى - لم يقع به إلا طلقة واحدة ; وإن أطلق وقع به ثلاث وقيل : لا يقع به إلا واحدة . [ ص: 217 ] و " القول الثاني " أنه لا يقع به طلاق ولا يلزمه كفارة . وهذا مذهب داود وأصحابه وطوائف من الشيعة . ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف ; بل هو مأثور عن طائفة صريحا كأبي جعفر الباقر راوية جعفر بن محمد . وأصل هؤلاء أن الحلف بالطلاق والعتاق والظهار والحرام والنذر : لغو كالحلف بالمخلوقات . ويفتي به في اليمين التي يحلف بها بالتزام الطلاق طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي : كالقفال وصاحب " التتمة " وينقل عن أبي حنيفة نصا ; بناء على أن قول القائل : الطلاق يلزمني أو لازم لي ونحو ذلك : صيغة نذر ; لا صيغة إيقاع كقوله : لله علي أن أطلق . ومن نذر أن يطلق لم يلزمه طلاق بلا نزاع ; ولكن في لزومه الكفارة له قولان .

" أحدهما " يلزمه وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل وهو المحكي عن أبي حنيفة : إما مطلقا . وإما إذا قصد به اليمين . " والثاني " لا . وهو قول طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي كالقفال والبغوي وغيرهما . فمن جعل هذا نذرا ولم يوجب الكفارة [ ص: 218 ] في نذر الطلاق : يفتي بأنه لا شيء عليه كما أفتى بذلك طائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم ومن قال : عليه كفارة لزمه على قوله كفارة يمين كما يفتى بذلك طائفة من الحنفية والشافعية . وأما " الحنفية " فبنوه على أصله في أن من حلف بنذر المعاصي والمباحات فعليه كفارة يمين وكذلك يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي ; لتفريقه بين أن يقول : علي نذر . فلا يلزمه شيء . وبين أن يقول : إن فعلته فعلي نذر . فعليه كفارة يمين . ففرق هؤلاء بين نذر الطلاق وبين الحلف بنذر الطلاق . وأحمد عنده على ظاهر مذهبه المنصوص عنه : أن نذر الطلاق فيه كفارة يمين والحلف بنذره عليه فيه كفارة يمين وقد وافقه على ذلك من وافقه من الخراسانيين من أصحاب الشافعي وجعله الرافعي والنووي وغيرهما هو المرجح في مذهب الشافعي وذكروا ذلك في نذر جميع المباحات ; لكن قوله : الطلاق لي لازم فيه صيغة إيقاع في مذهب أحمد فإن نوى بذلك النذر ففيه كفارة يمين عنده .

و " القول الثالث " وهو أصح الأقوال وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار : أن هذه يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين [ ص: 219 ] وهو الكفارة عند الحنث ; إلا أن يختار الحالف إيقاع الطلاق فله أن يوقعه ولا كفارة . وهذا قول طائفة منالسلف والخلف : كطاووس وغيره . وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم حتى يقال : إن في كثير من بلاد المغرب من يفتي بذلك من أئمة المالكية وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل وأصوله في غير موضع . وعلى هذا القول فإذا كرر اليمين المكفرة مرتين أو ثلاثا على فعل واحد : فهل عليه كفارة واحدة ؟ أو كفارات ؟ فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد . أشهرهما عنه تجزيه كفارة واحدة . وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن حزم وغيره في الحلف بالطلاق كما حكوها في الحلف بالعتق والنذر وغيرهما فإذا قال : إن فعلت كذا فعبيدي أحرار : ففيها الأقوال الثلاثة ; لكن هنا لم يقل أحد من أصحاب أبي حنيفة والشافعي : إنه لا يلزمه العتق كما قالوا ذلك في الطلاق . فيصح نذره بخلاف الطلاق . والمنقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجزئه كفارة يمين كما ثبت ذلك عن ابن عمر وحفصة وزينب .

ورووه أيضا عن عائشة . [ ص: 220 ] وأم سلمة وابن عباس وأبي هريرة ; وهو قول أكابر التابعين ; كطاووس وعطاء وغيرهما ولم يثبت عن صحابي ما يخالف ذلك ; لا في الحلف بالطلاق ولا في الحلف بالعتاق ; بل إذا قال الصحابة : إن الحالف بالعتق لا يلزمه العتق فالحالف بالطلاق أولى عندهم . وهذا كالحلف بالنذر مثل : أن يقول : إن فعلت كذا فعلي الحج . أو صوم سنة . أو ثلث مالي صدقة . فإن هذا يمين تجزئ فيه الكفارة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمر وابن عباس وعائشة وابن عمر وهو قول جماهير التابعين : كطاووس وعطاء وأبي الشعثاء وعكرمة والحسن وغيرهم وهو مذهب الشافعي المنصوص عنه ومذهب أحمد بلا نزاع عنه وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة اختارها محمد بن الحسن وهو قول طائفة من أصحاب مالك كابن وهب وابن أبي الغمر وأفتى ابن القاسم ابنه بذلك .

والمعروف عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم : أنه لا فرق بين أن يحلف بالطلاق أو العتاق أو النذر : إما أن تجزئه الكفارة في كل يمين . وإما أن لا شيء عليه . وإما أن يلزمه كما حلف به ; بل إذا كان قوله : إن فعلت كذا فعلي أن أعتق رقبة . وقصد به اليمين لا يلزمه العتق ; بل يجزئه كفارة يمين ولو قاله على وجه النذر لزمه [ ص: 221 ] بالاتفاق فقوله : فعبدي حر أولى ألا يلزمه لأن قصد اليمين إذا منع أن يلزمه الوجوب في الإعتاق والعتق فلأن يمنع لزوم العتق وحده أولى " وأيضا " فإن ثبوت الحقوق في الذمم أوسع نفوذا ; فإن الصبي والمجنون والعبد قد تثبت الحقوق في ذممهم مع أنه لا يصح تصرفهم فإذا كان قصد اليمين مع ثبوت العتق المعلق في الذمة [ ممنوع ] فلأن يمنع وقوعه أولى وأحرى وإذا كان العتق الذي يلزمه بالنذر لا يلزمه إذا قصد به اليمين فالطلاق الذي لا يلزم بالنذر أولى أن لا يلزم إذا قصد به اليمين ; فإن التعليق إنما يلزم فيه الجزاء إذا قصد وجوب الجزاء عند وجوب الشرط كقوله : إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق وإن شفى الله مريضي فثلث مالي صدقة وأما إذا كان يكره وقوع الجزاء وإن وجد الشرط وإنما التزمه ليحض نفسه أو يمنعها أو يحض غيره أو يمنعه : فهذا مخالف كقوله : إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني ومالي صدقة وعبيدي أحرار ونسائي طوالق وعلي عشر حجج وصوم : فهذا حالف باتفاق الصحابة والفقهاء وسائر الطوائف وقد قال الله تعالى : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وقال تعالى : { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم } وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه في الصحيح أنه قال : { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه } وهذا يتناول [ ص: 222 ] [ أيمان ] جميع المسلمين لفظا ومعنى ; ولم يخصه نص ولا إجماع ولا قياس ; بل الأدلة الشرعية تحقق عمومه .



واليمين في كتاب الله وسنة رسوله " نوعان " : نوع محترم منعقد مكفر كالحلف بالله . ونوع غير محترم ; ولا منعقد ولا مكفر وهو الحلف بالمخلوقات . فإن كانت هذه اليمين من أيمان المسلمين ففيها الكفارة . وهي من النوع الأول . وإن لم تكن من أيمان المسلمين فهي من الثاني . وأما إثبات يمين منعقدة ; غير مكفرة فهذا لا أصل له في الكتاب والسنة . وتقسيم أيمان المسلمين إلى يمين مكفرة وغير مكفرة كتقسيم الشراب المسكر إلى خمر وغير خمر . وتقسيم السفر إلى طويل وقصير . وتقسيم الميسر إلى محرم وغير محرم ; بل الأصول تقتضي خلاف ذلك . وبسط الكلام له موضوع آخر لكن هذا " القول الثالث " وهو القول بثبوت الكفارة في جميع أيمان المسلمين هو القول الذي تقوم عليه الأدلة الشرعية التي لا تتناقض وهو المأثور عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكابر التابعين : [ ص: 223 ] إما في جميع الأيمان . وإما في بعضها .

وتعليل ذلك بأنه يمين . والتعليل بذلك يقتضي ثبوت الحكم في جميع أيمان المسلمين . والصيغ ثلاثة " صيغة تنجيز " كقوله : أنت طالق فهذه ليست يمينا ولا كفارة في هذا باتفاق المسلمين " والثاني " صيغة قسم كما إذا قال : الطلاق يلزمني لأفعلن كذا فهذه يمين باتفاق أهل اللغة والفقهاء . " والثالث " صيغة تعليق . فهذه إن قصد بها اليمين فحكمها حكم الثاني باتفاق العلماء . وأما إن قصد وقوع الطلاق عند الشرط : مثل أن يختار طلاقها إذا أعطته العوض فيقول : إن أعطيتني كذا فأنت طالق . ويختار طلاقها إذا أتت كبيرة فيقول : أنت طالق إن زنيت أو سرقت . وقصده الإيقاع عند الصفة ; لا الحلف : فهذا يقع به الطلاق باتفاق السلف ; فإن الطلاق المعلق بالصفة روي وقوع الطلاق فيه عن غير واحد من الصحابة : كعلي وابن مسعود وأبي ذر وابن عمر ومعاوية وكثير من التابعين ومن بعدهم وحكى الإجماع على ذلك غير واحد [ ص: 224 ] وما علمت أحدا نقل عن أحد من السلف أن الطلاق بالصفة لا يقع وإنما علم النزاع فيه عن بعض الشيعة وعن ابن حزم من الظاهرية .

وهؤلاء الشيعة بلغتهم فتاوى عن بعض فقهاء أهل البيت فيمن قصده الحلف : فظنوا أن كل تعليق كذلك كما أن طائفة من الجمهور بلغتهم فتاوى عن بعض الصحابة والتابعين فيمن علق الطلاق بصفة أنه يقع عندها : فظنوا أن ذلك يمين . وجعلوا كل تعليق يمينا كمن قصده اليمين ولم يفرقوا بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع ; كما لم يفرق أولئك بينهما في نفس الطلاق . وما علمت أحدا من الصحابة أفتى في اليمين بلزوم الطلاق . كما لم أعلم أحدا منهم أفتى في التعليق الذي يقصد به اليمين وهو المعروف عن جمهور السلف حتى قال به داود وأصحابه . ففرقوا بين تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع كما فرقوا بينهما في تعليق النذر وغيره . والفرق بينهما ظاهر ; فإن الحالف يكره وقوع الجزاء وإن وجدت الصفة كقول المسلم : إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني : فهو يكره الكفر وإن وجدت الصفة ; إنما التزامه لئلا يلزم وليمتنع به من الشرط ; لا لقصد وجوده عند الصفة .

وهكذا الحلف بالإسلام لو قال الذمي : إن فعلت كذا فأنا مسلم . والحالف بالنذر والحرام والظهار والطلاق والعتاق إذا قال : إن فعلت كذا فعلي الحج وعبيدي أحرار ونسائي طوالق ومالي صدقة فهو [ ص: 225 ] يكره هذه اللوازم وإن وجد الشرط وإنما علقها ليمنع نفسه من الشرط ; لا لقصد وقوعها وإذا وجد الشرط فالتعليق الذي يقصد به الإيقاع من باب الإيقاع والذي يقصد به اليمين من باب اليمين . وقد بين الله في كتابه أحكام الطلاق وأحكام الإيمان . وإذا قال : إن سرقت إن زنيت : فأنت طالق . فهذا قد يقصد به اليمين وهو أن يكون مقامها مع هذا الفعل أحب إليه من طلاقها ; وإنما قصده زجرها وتخويفها لئلا تفعل : فهذا حلف لا يقع به الطلاق وقد يكون قصده إيقاع الطلاق وهو أن يكون فراقها أحب إليه من المقام معها مع ذلك فيختار إذا فعلته أن تطلق منه : فهذا يقع به الطلاق . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث