الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 54 ] القول في تأويل قوله تعالى ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ، ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ، إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر ، إما لمرض ، وإما لأذى برأسه ، من هوام أو غيرها ، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به ، وإن لم يبلغ الهدي محله ، فيلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك ، فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

3323 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما" أذى من رأسه" ؟ قال : القمل وغيره ، والصدع ، وما كان في رأسه .

وقال آخرون : لا يحلق إن أراد أن يفتدي الحج بالنسك ، أو الإطعام ، إلا بعد التكفير . وإن أراد أن يفتدي بالصوم ، حلق ثم صام .

ذكر من قال ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

3324 - حدثنا عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن أشعث ، عن الحسن ، قال : إذا كان بالمحرم أذى من رأسه فإنه يحلق حين يبعث بالشاة ، أو يطعم المساكين ، [ ص: 55 ] وإن كان صوم حلق ثم صام بعد ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر من قال ذلك :

3325 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي ، شاة فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله ، فحلق رأسه ، أو مس طيبا أو تداوى ، كان عليه فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك . قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير ، فقال : كذلك قال ابن عباس .

3326 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " ، قال : من أحصر بمرض أو كسر فليرسل بما استيسر من الهدي ، ولا يحلق رأسه ، ولا يحل حتى يوم النحر . فمن كان مريضا ، أو اكتحل ، أو ادهن ، أو تداوى ، أو كان به أذى من رأسه ، فحلق ، ففدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك . [ ص: 56 ]

3327 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

3328 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " هذا إذا كان قد بعث بهديه ، ثم احتاج إلى حلق رأسه من مرض ، وإلى طيب ، وإلى ثوب يلبسه ، قميص أو غير ذلك : فعليه الفدية .

3329 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح كاتب الليث ، قال : حدثني الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : من أحصر عن الحج فأصابه في حبسه ذلك مرض أو أذى برأسه ، فحلق رأسه في محبسه ذلك ، فعليه فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك .

3330 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، أن عبد الله بن عمر قال : من أحصر بعد أن يهل بحج ، فحبسه مرض أو خوف ، فإنه يتعالج في حبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه ، غير أنه لا يحل له النساء والطيب ، ويفتدي بالفدية التي أمر الله بها : صيام ، أو صدقة ، أو نسك .

3331 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثني بشر بن السري ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال : سئل علي رضي الله عنه عن قول الله جل ثناؤه : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " قال : هذا قبل أن ينحر الهدي ، إن أصابه شيء فعليه الكفارة .

وقال آخرون : معنى ذلك : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ، [ ص: 57 ] فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك قبل الحلاق إذا أراد حلاقه .

ذكر من قال ذلك :

3332 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فمن اشتد مرضه ، أو آذاه رأسه وهو محرم ، فعليه صيام ، أو إطعام ، أو نسك . ولا يحلق رأسه حتى يقدم فديته قبل ذلك .

وعلة من قال هذه المقالة ما : -

3333 - حدثنا به المثنى ، قال : حدثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن يعقوب ، قال : سألت عطاء ، عن قوله : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فقال : إن كعب بن عجرة مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبرأسه من الصئبان والقمل كثير ، فقال له النبي عليه السلام : "هل عندك شاة"؟ فقال كعب : ما أجدها! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت فأطعم ستة مساكين ، وإن شئت فصم ثلاثة أيام ، ثم احلق رأسك . [ ص: 58 ]

قال أبو جعفر : فأما " المرض" الذي أبيح معه العلاج بالطيب وحلق الرأس ، فكل مرض كان صلاحه بحلقه كالبرسام الذي يكون من صلاح صاحبه حلق رأسه ، وما أشبه ذلك ، والجراحات التي تكون بجسد الإنسان التي يحتاج معها إلى العلاج بالدواء الذي فيه الطيب ونحو ذلك من القروح والعلل العارضة للأبدان .

وأما" الأذى" الذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصة له حلقه ، فنحو الصداع والشقيقة ، وما أشبه ذلك ، وأن يكثر صئبان الرأس ، وكل ما كان للرأس مؤذيا مما في حلقه صلاحه ودفع المضرة الحالة به ، فيكون ذلك بعموم قول الله جل وعز : " أو به أذى من رأسه" .

وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت عليه بسبب كعب بن عجرة ، إذ شكا كثرة أذى برأسه من صئبانه ، وذلك عام الحديبية .

ذكر الأخبار التي رويت في ذلك :

3334 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وحميد بن مسعدة قالا حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا داود ، عن الشعبي ، عن كعب بن عجرة ، قال : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ولي وفرة فيها هوام ما بين أصل كل شعرة إلى فرعها قمل وصئبان ، فقال : "إن هذا لأذى" ! قلت : أجل يا رسول الله ، شديد ! قال : أمعك دم ؟ قلت : لا ! قال : فإن شئت [ ص: 59 ] فصم ثلاثة أيام ، وإن شئت فتصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين ، على كل مسكين نصف صاع .

3335 - حدثني إسحاق بن شاهين الواسطي ، قال : حدثنا خالد الطحان ، عن داود ، عن عامر ، عن كعب بن عجرة ، عن النبي بنحوه .

3336 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي ، قال : حدثنا أسد بن عمرو ، عن أشعث ، عن عامر ، عن عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة ، قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ولي وفرة من شعر ، قد قملت وأكلني الصئبان . فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : "احلق !" ففعلت ، فقال : "هل لك هدي؟" فقلت : ما أجد! فقال : إنه ما استيسر من الهدي ، فقلت : ما أجد! فقال : "صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع .

قال : ففي نزلت هذه الآية : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " ، إلى آخر الآية [ ص: 60 ]

قال أبو جعفر : وهذا الخبر ينبئ عن أن الصحيح من القول أن الفدية إنما تجب على الحالق بعد الحلق ، وفساد قول من قال : يفتدي ثم يحلق; لأن كعبا يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالفدية ، بعد ما أمره بالحلق فحلق .

3337 - محمد بن بشار ، قال : حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني ، عن عبد الله بن معقل ، عن كعب بن عجرة أنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام ، أو فرق من طعام بين ستة مساكين .

3338 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني ، عن عبد الله بن معقل ، قال : قعدت إلى كعب وهو في المسجد ، فسألته عن هذه الآية : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فقال كعب : نزلت في كان بي أذى من رأسي ، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : "ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى ، أتجد شاة؟" فقلت : لا . فنزلت هذه الآية : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال : فنزلت في خاصة ، وهي لكم عامة . [ ص: 61 ]

3339 - حدثني تميم ، قال : أخبرنا إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني ، قال : سمعت عبد الله بن معقل المزني ، يقول : سمعت كعب بن عجرة يقول : حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقمل رأسي ولحيتي وشاربي وحاجبي ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلي فقال : ما كنت أرى هذا أصابك" ، ثم قال : ادعوا لي حلاقا ! فدعوه ، فحلقني . ثم قال : أعندك شيء تنسكه عنك؟ قال : قلت لا . قال : "فصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من طعام . قال كعب : فنزلت هذه الآية في خاصة : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " ثم كانت للناس عامة .

3340 - حدثني نصر بن علي الجهضمي ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثني أيوب ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، قال : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر ، والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : أتؤذيك هوام رأسك؟ قال : قلت نعم! قال : احلقه وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو اذبح شاة . [ ص: 62 ]

3341 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال : والقمل يتناثر علي - أو قال : على حاجبي . وقال أيضا : أو انسك نسيكة . قال أيوب : لا أدري بأيتهن بدأ .

3342 - حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا عبد الله بن عون ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب ، قال : في أنزلت هذه الآية ، قال : فقال لي : ادنه . فدنوت ، فقال : "أيؤذيك هوامك؟ قال : أظنه قال نعم! قال : فأمرني بصيام ، أو صدقة ، أو نسك ، ما تيسر .

3343 - محمد بن بشار ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل عن مجاهد ، عن كعب بن عجرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى عليه زمن الحديبية وهو يوقد تحت قدر له وهوام رأسه تتناثر على وجهه ، فقال : أتؤذيك هوامك؟ قال : نعم! قال : احلق رأسك ، وعليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك ، تذبح ذبيحة ، أو تصوم ثلاثة أيام ، أو تطعم ستة مساكين . [ ص: 63 ]

3344 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على كعب بن عجرة زمن الحديبية ، ثم ذكر نحوه .

3345 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : حدثنا زيد بن الحباب ، قال : وأخبرني سيف ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، قال : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بالحديبية ، ورأسي يتهافت قملا فقال : أيؤذيك هوامك؟ قال قلت : نعم ! قال : فاحلق . قال : ففي نزلت هذه الآية : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" .

3346 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح وأيوب السختياني ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، قال : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ، وأنا أوقد تحت قدر ، والقمل يتهافت علي ، فقال : أتؤذيك هوامك؟ قال : قلت : نعم ! قال : فاحلق ، وانسك نسيكة ، أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم فرقا بين ستة مساكين قال أيوب : انسك نسيكة ، وقال ابن أبي نجيح : اذبح شاة

قال سفيان : والفرق ثلاثة آصع . [ ص: 64 ]

3347 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على وجهه ، فقال : أيؤذيك هوامك؟ قال : نعم ! فأمره أن يحلق وهو بالحديبية لم يتبين لهم أنهم يحلون بها ، وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله أن يطعم فرقا بين ستة مساكين ، أو يهدي شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام .

3348 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، ونحن محرمون ، وقد حصرنا المشركون . قال : وكانت لي وفرة ، فجعلت الهوام تساقط على وجهي ، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : "أيؤذيك هوام رأسك؟" قال : قلت نعم ! قال ونزلت هذه الآية : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " . [ ص: 65 ]

3349 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، عن كعب بن عجرة ، قال : لفي نزلت ، وإياي عنى بها : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية ، وهو عند الشجرة ، وأنا محرم : أيؤذيك هوامه؟ قلت : نعم! - أو كلمة لا أحفظها عنى بها ذاك - فأنزل الله جل وعز : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " ، والنسك : شاة .

3350 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، قال : قال كعب بن عجرة ، والذي نفسي بيده ، لفي نزلت هذه الآية ، وإياي عنى بها ، ثم ذكر نحوه ، قال : وأمره أن يحلق رأسه .

3351 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك بن أنس ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة : أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآذاه القمل في رأسه ، فأمره رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه وقال : صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان ، أو انسك بشاة ، أي ذلك فعلت أجزأك" . [ ص: 66 ]

3352 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن حميد بن قيس ، عن مجاهد ، [ عن ابن أبي ليلى ] ، عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : لعله آذاك هوامك؟ - يعني القمل - قال : فقلت : نعم يا رسول الله . فقال رسول الله : احلق رأسك ، وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك بشاة .

3353 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالك بن أنس حدثه ، عن عطاء بن عبد الله الخراساني أنه قال : أخبرني شيخ بسوق البرم بالكوفة ، عن كعب بن عجرة أنه قال : جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنفخ تحت قدر لأصحابي ، قد امتلأ رأسي ولحيتي قملا فأخذ بجبهتي ، ثم قال : احلق هذا ، وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ! وقد كان رسول الله صلى الله [ ص: 67 ] عليه وسلم علم أنه ليس عندي ما أنسك به .

3354 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن نافع ، قال : حدثني أسامة بن زيد ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن كعب بن عجرة ، قال كعب : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آذاني القمل أن أحلق رأسي ، ثم أصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين; وقد علم أنه ليس عندي ما أنسك به .

3355 - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال : حدثنا روح ، عن أسامة بن زيد ، عن محمد بن كعب ، قال : سمعت كعب بن عجرة يقول : أمرني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن أحلق وأفتدي بشاة .

3356 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن الزبير بن عدي ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال : لقيت كعب بن عجرة في هذه السوق ، فسألته عن حلق رأسه؟ فقال : أحرمت فآذاني القمل . فبلغ ذلك [ ص: 68 ] النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاني وأنا أطبخ قدرا لأصحابي ، فحك بأصبعه رأسي فانتثر منه القمل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : احلقه ، وأطعم ستة مساكين .

3357 - محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالحديبية عام حبسوا بها ، وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له كعب بن عجرة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أتؤذيك هذه الهوام؟ قال : نعم . قال : فاحلق واجزز ، ثم صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين . قال : قلت أسمى النبي صلى الله عليه وسلم مدين مدين؟ قال : نعم ، كذلك بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك لكعب ، ولم يسم النسك ، قال : وأخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كعبا بذلك بالحديبية قبل أن يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحلق والنحر ، لا يدري عطاء كم بين الحلق والنحر .

3358 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثني عمي عبد الله بن وهب ، قال : حدثني الليث ، عن ابن مسافر ، عن ابن شهاب ، عن فضالة بن محمد الأنصاري ، أنه أخبره عمن لا يتهم من قومه : أن كعب بن عجرة أصابه أذى في رأسه ، فحلق قبل أن يبلغ الهدي محله ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام . [ ص: 69 ]

3359 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو الأسود ، قال : أخبرنا ابن لهيعة ، عن مخرمة ، عن أبيه ، قال : سمعت عمرو بن شعيب يقول : سمعت شعيبا يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة : أيؤذيك دواب رأسك؟ قال : نعم ، قال : فاحلقه وافتد إما بصوم ثلاثة أيام ، وإما أن تطعم ستة مساكين ، أو نسك شاة" ففعل . [ ص: 70 ]

قال أبو جعفر : وقد بينا قبل معنى" الفدية" ، وأنها بمعنى الجزاء والبدل .

قال أبو جعفر : واختلف أهل العلم في مبلغ الصيام والطعام اللذين أوجبهما الله على من حلق شعره من المحرمين في حال مرضه أو من أذى برأسه .

فقال بعضهم : الواجب عليه من الصيام ثلاثة أيام ، ومن الطعام ثلاثة آصع بين ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع . واعتلوا بالأخبار التي ذكرناها قبل .

ذكر من قال ذلك :

3360 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال : الصيام : ثلاثة أيام ، والطعام : إطعام ستة مساكين ، والنسك : شاة .

3361 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن يمان ، قال : حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، مثله .

3362 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن يمان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد ، مثله .

3363 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ومجاهد أنهما قالا في قوله : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قالا الصيام ثلاثة أيام ، والطعام : إطعام ستة مساكين ، والنسك : شاة فصاعدا .

3364 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن معقل ، عن كعب بن عجرة أنه قال في قوله : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " قال : الصيام ثلاثة أيام ، والطعام : إطعام ستة مساكين ، والنسك : شاة فصاعدا إلا أنه قال في إطعام المساكين : ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين . [ ص: 71 ]

3365 - حدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " إن صنع واحدا فعليه فدية ، وإن صنع اثنين فعليه فديتان ، وهو مخير أن يصنع أي الثلاثة شاء . أما الصيام فثلاثة أيام . وأما الصدقة فستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، وأما النسك فشاة فما فوقها . نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاري كان أحصر فقمل رأسه ، فحلقه .

3366 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فمن كان مريضا أو اكتحل ، أو ادهن ، أو تداوى ، أو كان به أذى من رأسه من قمل فحلق ، ففدية من صيام ثلاثة أيام ، أو صدقة فرق بين ستة مساكين ، أو نسك ، والنسك : شاة .

3367 - حدثت عن عمار بن الحسن ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله " قال : فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق ، ففدية من صيام أو صدقة ، أو نسك . قال : فالصيام ثلاثة أيام ، والصدقة : إطعام ستة مساكين ، بين كل مسكينين صاع . والنسك : شاة .

3368 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن عبد الكريم ، عن سعيد بن جبير ، قال : يصوم صاحب الفدية مكان كل مدين يوما ، قال : مدا لطعامه ، ومدا لإدامه .

3369 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا هارون ، عن عنبسة بإسناده مثله .

3370 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا بشر بن السري ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال : سئل علي رضي الله عنه عن قول الله : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " قال : الصيام ثلاثة أيام ، والصدقة : ثلاثة آصع على ستة مساكين ، والنسك : شاة . [ ص: 72 ]

3371 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن حرب بن قيس مولى يحيى بن أبي طلحة أنه سمع محمد بن كعب ، وهو يذكر الرجل الذي نزل فيه : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " ، قال : فأفتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما الصيام : فثلاثة أيام ، وأما المساكين فستة ، وأما النسك فشاة .

3372 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي ، شاة . فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله - حلق رأسه ، أو مس طيبا ، أو تداوى - كان عليه فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك . والصيام : ثلاثة أيام ، والصدقة : ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، والنسك : شاة .

3373 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ومجاهد قوله : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قالا الصيام ثلاثة أيام ، والصدقة : ثلاثة آصع على ستة مساكين ، والنسك : شاة .

وقال آخرون : الواجب عليه إذا حلق رأسه من أذى ، أو تطيب لعلة من مرض ، أو فعل ما لم يكن له فعله في حال صحته وهو محرم - من الصوم : صيام عشرة أيام ، ومن الصدقة : إطعام عشرة مساكين .

ذكر من قال ذلك :

3374 - حدثنا ابن أبي عمران ، قال : حدثنا عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن أشعث ، عن الحسن في قوله : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " قال : إذا كان بالمحرم أذى من رأسه ، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء . فالصيام : [ ص: 73 ] عشرة أيام ، والصدقة على عشرة مساكين ، كل مسكين مكوكين ، مكوكا من تمر ، ومكوكا من بر ، والنسك : شاة .

3375 - حدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي ، قال : حدثنا بشر بن عمرو ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن وعكرمة : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " قال : إطعام عشرة مساكين .

وقاس قائلو هذا القول كل صيام وجب على محرم ، أو صدقة جزاء من نقص دخل في إحرامه ، أو فعل ما لم يكن له فعله بدلا من دم ، على ما أوجب الله على المتمتع من الصوم إذا لم يجد الهدي . وقالوا : جعل الله على المتمتع صيام عشرة أيام مكان الهدي إذا لم يجده . قالوا : فكل صوم وجب مكان دم ، فمثله .

قالوا : فإذا لم يصم وأراد الإطعام فإن الله جل وعز أقام إطعام مسكين مكان صوم يوم لمن عجز عن الصوم في رمضان . قالوا : فكل من جعل الإطعام له مكان صوم لزمه فهو نظيره . فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين في فدية الحلق .

وقال آخرون : بل الواجب على الحالق النسك شاة إن كانت عنده . فإن [ ص: 74 ] لم تكن عنده قومت الشاة دراهم والدراهم طعاما ، فتصدق به ، وإلا صام لكل نصف صاع يوما .

ذكر من قال ذلك :

3376 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال : ذكر الأعمش ، قال : سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " ، فأجابه بقوله : يحكم عليه إطعام ، فإن كان عنده اشترى شاة ، فإن لم تكن قومت الشاة دراهم فجعل مكانه طعاما فتصدق ، وإلا صام لكل نصف صاع يوما . فقال إبراهيم : كذلك سمعت علقمة يذكر . قال : لما قام قال لي سعيد بن جبير : هذا ما أظرفه ! قال : قلت : هذا إبراهيم ! قال : ما أظرفه ! كان يجالسنا . قال : فذكرت ذلك لإبراهيم ، قال : فلما قلت : "يجالسنا" ، انتفض منها .

3377 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا هارون ، عن عنبسة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : يحكم على الرجل في الصيد ، فإن لم يجد جزاءه قوم طعاما ، فإن لم يكن طعام صام مكان كل مدين يوما ، وكذلك الفدية .

وقال آخرون : بل هو مخير بين الخلال الثلاث ، يفتدي بأيها شاء .

ذكر من قال ذلك :

3378 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سيف بن سليمان ، عن مجاهد ، قال : كل شيء في القرآن"أو أو" فهو بالخيار ، مثل الجراب فيه الخيط الأبيض والأسود ، فأيهما خرج أخذته .

3379 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا ابن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : كل شيء في القرآن"أو أو" فصاحبه بالخيار ، يأخذ الأولى فالأولى . [ ص: 75 ]

3380 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت ليثا ، عن مجاهد ، قال : كل ما كان في القرآن : "كذا ، فمن لم يجد فكذا" ، فالأول فالأول . وكل ما كان في القرآن"أو كذا أو كذا" ، فهو فيه بالخيار .

3381 - حدثني نصير بن عبد الرحمن الأودي ، قال : حدثنا المحاربي عن يحيى بن أبي أنيسة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد - وسئل عن قوله : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" فقال مجاهد : إذا قال الله تبارك وتعالى لشيء" أو أو" ، فإن شئت فخذ بالأول ، وإن شئت فخذ بالآخر .

3382 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : قال لي عطاء وعمرو بن دينار - في قوله : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " - قالا له أيتهن شاء .

3383 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قال عطاء : كل شيء في القرآن"أو أو" ، فلصاحبه أن يختار أيه شاء .

قال ابن جريج : قال لي عمرو بن دينار : كل شيء في القرآن" أو أو" ، فلصاحبه أن يأخذ بما شاء .

3384 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا ليث عن عطاء ومجاهد أنهما قالا ما كان في القرآن"أو كذا أو كذا" ، فصاحبه بالخيار ، أي ذلك شاء فعل .

3385 - حدثنا علي بن سهل ، قال : حدثنا يزيد ، عن سفيان ، عن ليث ومجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كل شيء في القرآن"أو أو" فهو مخير فيه ، فإن كان "فمن فمن" ، فالأول فالأول .

3386 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا أسباط بن محمد ، قال : حدثنا داود ، عن عكرمة ، قال : كل شيء في القرآن"أو أو" ، فليتخير أي الكفارات [ ص: 76 ] شاء ، فإذا كان : "فمن لم يجد" ، فالأول فالأول .

3387 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو النعمان عارم ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : قال : حدثت عن عطاء ، قال : كل شيء في القرآن"أو أو" فهو خيار .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه ، ويفتدي إن شاء بنسك شاة ، أو صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام فرق من طعام بين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع .

وللمفتدي الخيار بين أي ذلك شاء ، لأن الله لم يحصره على واحدة منهن بعينها ، فلا يجوز له أن يعدوها إلى غيرها ، بل جعل إليه فعل أي الثلاث شاء .

ومن أبى ما قلنا من ذلك قيل له : ما قلت في المكفر عن يمينه أمخير - إذا كان موسرا - في أن يكفر بأي الكفارات الثلاث شاء؟ فإن قال : "لا" ، خرج من قول جميع الأمة ، وإن قال : "بلى" ، سئل الفرق بينه وبين المفتدي من حلق رأسه وهو محرم من أذى به . ثم لن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .

على أن ما قلنا في ذلك إجماع من الحجة ، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره .

وأما الزاعمون أن كفارة الحلق قبل الحلق ، فإنه يقال لهم : أخبرونا عن الكفارة للمتمتع : قبل التمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قيل لهم : وكذلك الكفارة عن اليمين قبل اليمين . فإن زعموا أن ذلك كذلك ، خرجوا من قول الأمة . وإن قالوا : ذلك غير جائز .

قيل : وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفارة [ ص: 77 ] الحلق قبل الحلق ، وهدي المتعة قبل التمتع ، ولم يجب أن تكون كفارة اليمين قبل اليمين؟ وهل بينكم وبين من عكس عليكم الأمر في ذلك - فأوجب كفارة اليمين قبل اليمين وأبطل أن تكون كفارة الحلق كفارة له إلا بعد الحلق - فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .

فإن اعتل في كفارة اليمين قبل اليمين أنها غير مجزئة قبل الحلف بإجماع الأمة . قيل له : فرد الأخرى قياسا عليها ، إذ كان فيها اختلاف .

وأما القائلون إن الواجب على الحالق رأسه من أذى : من الصيام عشرة أيام ، ومن الإطعام عشرة مساكين ، فمخالفون نص الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فيقال لهم : أرأيتم من أصاب صيدا فاختار الإطعام أو الصيام ، أتسوون بين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبيره من الإطعام والصيام ، أم تفرقون بين ذلك على قدر افتراق المقتول من الصيد في الصغر والكبر؟ فإن زعموا أنهم يسوون بين جميع ذلك سووا بين ما يجب على من قتل بقرة وحشية ، وبين ما يجب على من قتل ولد ظبية - من الإطعام والصيام . وذلك قول إن قالوه لقول الأمة مخالف .

وإن قالوا : بل نخالف بين ذلك ، فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطعام والصيام .

قيل : فكيف رددتم الواجب على الحالق رأسه من أذى من الكفارة على الواجب على المتمتع من الصوم ، وقد علمتم أن المتمتع غير مخير بين الصيام والإطعام والهدي ، ولا هو متلف شيئا وجبت عليه منه الكفارة ، وإنما هو تارك عملا من الأعمال ، وتركتم رد الواجب عليه وهو متلف بحلق رأسه ما كان ممنوعا من إتلافه ، ومخير بين الكفارات الثلاث ، نظير مصيب الصيد ، الذي هو بإصابته إياه له متلف ، [ ص: 78 ] ومخير في تكفيره بين الكفارات الثلاث؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك وجعل الحالق قياسا لمصيب الصيد ، وجمع بين حكميهما لاتفاقهما في المعاني التي وصفنا ، وخالف بين حكمه وحكم المتمتع في ذلك ، لاختلاف أمرهما فيما وصفنا فرق من أصل أو نظير؟

فلن يقولوا في ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله ، مع أن اتفاق الحجة على تخطئة قائل هذا القول في قوله هذا كفاية عن الاستشهاد على فساده بغيره ، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقياس عليه بالفساد شاهد؟

واختلف أهل العلم في الموضع الذي أمر الله أن ينسك نسك الحلق ويطعم فديته .

فقال بعضهم : النسك والإطعام بمكة لا يجزئ بغيرها من البلدان .

ذكر من قال ذلك :

3388 - حدثني يحيى بن طلحة ، قال : حدثنا فضيل بن عياض ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : ما كان من دم أو صدقة فبمكة ، وما سوى ذلك حيث شاء .

3389 - حدثني يحيى بن طلحة ، حدثنا فضيل ، عن ليث ، عن طاوس ، قال : كل شيء من الحج فبمكة ، إلا الصوم .

3390 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : سألت عطاء عن النسك ، قال : النسك بمكة لا بد .

3391 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا هارون ، عن عنبسة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، قال : الصدقة والنسك في الفدية بمكة ، والصيام حيث شئت .

3392 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا ليث ، عن طاوس [ ص: 79 ] أنه كان يقول : ما كان من دم أو إطعام فبمكة ، وما كان من صيام فحيث شاء .

3393 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا شبل ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : النسك بمكة أو بمنى .

3394 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : النسك بمكة أو بمنى ، والطعام بمكة .

وقال آخرون : النسك في الحلق والإطعام والصوم حيث شاء المفتدي .

ذكر من قال ذلك :

3395 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن يعقوب بن خالد ، قال : أخبرني أبو أسماء مولى ابن جعفر ، قال : حج عثمان ومعه علي والحسين بن علي رضوان الله عليهم ، فارتحل عثمان قال أبو أسماء : وكنت مع ابن جعفر قال : فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه ، قال : فقلنا له : أيها النائم ! فاستيقظ ، فإذا الحسين بن علي . قال : فحمله ابن جعفر حتى أتى به السقيا . قال : فأرسل إلى علي ، فجاء ومعه أسماء بنت عميس . قال : فمرضناه نحوا من عشرين ليلة . قال : فقال علي للحسين : ما الذي تجد؟ قال : فأومأ إلى رأسه . قال : فأمر به علي فحلق رأسه ، ثم دعا ببدنة فنحرها . [ ص: 80 ]

3396 - حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن يعقوب بن خالد بن عبد الله بن المسيب المخزومي أخبره أنه سمع أبا أسماء مولى عبد الله بن جعفر ، يحدث : أنه خرج مع عبد الله بن جعفر يريد مكة مع عثمان ، حتى إذا كنا بين السقيا والعرج اشتكى الحسين بن علي ، فأصبح في مقيله الذي قال فيه بالأمس . قال أبو أسماء : فصحبته أنا وعبد الله بن جعفر ، فإذا راحلة حسين قائمة وحسين مضطجع ، فقال عبد الله بن جعفر : إن هذه لراحلة حسين . فلما دنا منه قال له : أيها النائم ! وهو يظن أنه نائم; فلما دنا منه وجده يشتكي ، فحمله إلى السقيا ، ثم كتب إلى علي فقدم إليه إلى السقيا فمرضه قريبا من أربعين ليلة . ثم إن عليا قيل له : هذا حسين يشير إلى رأسه ، فدعا علي بجزور فنحرها ، ثم حلق رأسه .

3397 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أخبرني يحيى بن سعيد ، قال : أقبل حسين بن علي مع عثمان حراما - حسبت أنه اشتكى بالسقيا فذكر ذلك لعلي : فجاء هو وأسماء بنت عميس ، فمرضوه عشرين ليلة ، فأشار حسين إلى رأسه ، فحلقه ونحر عنه جزورا . قلت : فرجع به؟ قال : لا أدري .

قال أبو جعفر : وهذا الخبر يحتمل أن يكون ما ذكر فيه من نحر علي عن الحسين الناقة قبل حلقه رأسه ، ثم حلقه رأسه بعد النحر - إن كان على ما رواه مجاهد عن يزيد ، كان على وجه الإحلال من الحسين من إحرامه للإحصار عن [ ص: 81 ] الحج بالمرض الذي أصابه - وإن كان على ما رواه يعقوب ، عن هشيم : من نحر علي عنه الناقة بعد حلقه رأسه : أن يكون على وجه الافتداء من الحلق ، وأن يكون كان يرى أن نسك الفدية يجزئ نحره دون مكة والحرم .

3398 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : الفدية حيث شئت .

3399 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا حجاج ، عن الحكم ، عن إبراهيم - في الفدية ، في الصدقة والصوم والدم - : حيث شاء .

3400 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبيدة ، عن إبراهيم أنه كان يقول ، فذكر مثله .

وقال آخرون : ما كان من دم نسك فبمكة ، وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء المفتدي .

ذكر من قال ذلك :

3401 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا حجاج ، وعبد الملك ، وغيرهما ، عن عطاء أنه كان يقول : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء .

قال أبو جعفر : وعلة من قال : " الدم والإطعام بمكة " ، القياس على هدي جزاء الصيد . وذلك أن الله شرط في هديه بلوغ الكعبة ، فقال : ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ) [ المائدة : 95 ] . قالوا : فكل هدي وجب من جزاء أو فدية في إحرام ، فسبيله سبيل جزاء الصيد في وجوب بلوغه الكعبة . قالوا : وإذا كان ذلك حكم الهدي كان حكم الصدقة مثله ، لأنها واجبة [ ص: 82 ] لمن وجب عليه الهدي ، وذلك أن الإطعام فدية وجزاء كالدم ، فحكمهما واحد .

وأما علة من زعم أن للمفتدي أن ينسك حيث شاء ويتصدق ويصوم أن الله لم يشترط على الحالق رأسه من أذى هديا ، وإنما أوجب عليه نسكا أو إطعاما أو صياما ، وحيثما نسك أو أطعم أو صام فهو ناسك ومطعم وصائم ، وإذا دخل في عداد من يستحق ذلك الاسم كان مؤديا ما كلفه الله . لأن الله لو أراد من إلزام الحالق رأسه في نسكه بلوغ الكعبة ، لشرط ذلك عليه ، كما شرط في جزاء الصيد ، وفي ترك اشتراط ذلك عليه ، دليل واضح ، أنه حيث نسك أو أطعم أجزأ .

وأما علة من قال : " النسك بمكة ، والصيام والإطعام حيث شاء " ، فالنسك دم كدم الهدي ، فسبيله سبيل هدي قاتل الصيد .

وأما الإطعام فلم يشترط الله فيه أن يصرف إلى أهل مسكنة مكان ، كما شرط في هدي الجزاء بلوغ الكعبة . فليس لأحد أن يدعي أن ذلك لأهل مكان دون مكان ، إذ لم يكن الله شرط ذلك لأهل مكان بعينه; كما ليس لأحد أن يدعي أن ما جعله الله من الهدي لساكني الحرم لغيرهم ، إذ كان الله قد خص أن ذلك لمن به من أهل المسكنة .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ، أن الله أوجب على حالق رأسه من أذى من المحرمين ، فدية من صيام أو صدقة أو نسك ، ولم يشترط أن ذلك عليه بمكان دون مكان ، بل أبهم ذلك وأطلقه ، ففي أي مكان نسك أو أطعم أو صام ، فيجزي عن المفتدي . وذلك لقيام الحجة على أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلم يحصرهن على أنهن أمهات النساء المدخول بهن لم يجب أن يكن مردودات الأحكام على الربائب المحصورات على أن المحرمة منهن المدخول بأمها .

فكذلك كل مبهمة في القرآن غير جائز رد حكمها على المفسرة قياسا . [ ص: 83 ]

ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بما احتمله ظاهر التنزيل ، إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه ، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول ، إذ كان هو المبين عن مراد الله .

وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد .

واختلفوا فيما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الحلق ، وهل يجوز للمفتدي الأكل منه أم لا؟

فقال بعضهم ليس للمفتدي أن يأكل منه ، ولكن عليه أن يتصدق بجميعه .

ذكر من قال ذلك :

3402 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت عبد الملك ، عن عطاء ، قال : ثلاث لا يؤكل منهن : جزاء الصيد ، وجزاء النسك ، ونذر المساكين .

3403 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام وهارون ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن عطاء قال : لا تأكل من فدية ولا من جزاء ، ولا من نذر ، وكل من المتعة ، ومن الهدي والتطوع .

3404 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام وهارون ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن مجاهد ، قال : جزاء الصيد والفدية والنذر لا يأكل منها صاحبها ، ويأكل من التطوع والتمتع .

3405 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن الحجاج ، عن عطاء ، قال : لا تأكل من جزاء ، ولا من فدية ، وتصدق به .

3406 - محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : قال عطاء : لا يأكل من بدنته الذي يصيب أهله حراما والكفارات كذلك . [ ص: 84 ]

3407 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا عبد الملك والحجاج وغيرهما ، عن عطاء أنه كان يقول : لا يؤكل من جزاء الصيد ، ولا من النذر ، ولا من الفدية ، ويؤكل مما سوى ذلك .

3408 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن ليث ، عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا : لا يؤكل من الفدية وقال مرة : من هدي الكفارة ، ولا من جزاء الصيد .

وقال بعضهم : له أن يأكل منه .

ذكر من قال ذلك :

3409 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر قال : لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ، ويؤكل مما سوى ذلك .

3410 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا هارون ، عن عنبسة ، عن ابن أبي ليلى ، قال : من الفدية وجزاء الصيد والنذر .

3411 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد ، قال : الشاة بين ستة مساكين يأكل منه إن شاء ، ويتصدق على ستة مساكين .

3412 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرني عبد الملك ، قال : حدثني من سمع الحسن ، يقول : كل من ذلك كله - يعني من جزاء الصيد والنذر والفدية .

3413 - حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا خالد بن الحارث ، قال : حدثنا الأشعث عن الحسن : أنه كان لا يرى بأسا بالأكل من جزاء الصيد ونذر المساكين . [ ص: 85 ]

قال أبو جعفر : وعلة من حظر على المفتدي الأكل من فدية حلاقه وفدية ما لزمته منه الفدية ، أن الله أوجب على الحالق والمتطيب ومن كان بمثل حالهم ، فدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فلن يخلو ذلك الذي أوجبه عليه من الإطعام والنسك من أحد أمرين : إما أن يكون أوجبه عليه لنفسه أو لغيره أو له ولغيره .

فإن كان أوجبه لغيره فغير جائز له أن يأكل منه ، لأن ما لزمه لغيره فلا يجزيه فيه إلا الخروج منه إلى من وجب له .

أو يكون له وحده ، وما وجب له فليس عليه ؛ لأنه غير مفهوم في لغة أن يقال : " وجب على فلان لنفسه دينار أو درهم أو شاة" ، وإنما يجب له على غيره ، فأما على نفسه فغير مفهوم وجوبه .

أو يكون وجب عليه له ولغيره ، فنصيبه الذي وجب له من ذلك ، غير جائز أن يكون عليه ، لما وصفنا .

وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب عليه ما هو لغيره وما هو لغيره بعض النسك ، وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجب عليه بعض النسك لا النسك كله .

قالوا : وفي إلزام الله إياه النسك تاما ما يبين عن فساد هذا القول .

وعلة من قال : " له أن يأكل من ذلك" ، أن الله أوجب على المفتدي نسكا ، والنسك في معاني الأضاحي ، وذلك هو ذبح ما يجزي في الأضاحي من الأزواج الثمانية . قالوا : ولم يأمر الله بدفعه إلى المساكين . قالوا : فإذا ذبح فقد نسك ، وفعل ما أمره الله ، وله حينئذ الأكل منه ، والصدقة منه بما شاء ، وإطعام ما أحب منه من أحب ، كما له ذلك في أضحيته .

قال أبو جعفر : والذي نقول به في ذلك : أن الله أوجب على المفتدي نسكا إن اختار التكفير بالنسك ، ولن يخلو الواجب عليه في ذلك من أن يكون ذبحه [ ص: 86 ] دون غيره ، أو ذبحه والتصدق به . فإن كان الواجب عليه في ذلك ذبحه ، فالواجب أن يكون إذا ذبح نسكا فقد أدى ما عليه ، وإن أكل جميعه ولم يطعم مسكينا منه شيئا ، وذلك ما لا نعلم أحدا من أهل العلم قاله ، أو يكون الواجب عليه ذبحه والصدقة به . فإن كان ذلك عليه ، فغير جائز له أكل ما عليه أن يتصدق به ، كما لو لزمته زكاة في ماله ، لم يكن له أن يأكل منها ، بل كان عليه أن يعطيها أهلها الذين جعلها الله لهم . ففي إجماعهم - على أن ما ألزمه الله من ذلك فإنما ألزمه لغيره - دلالة واضحة على حكم ما اختلفوا فيه من غيره .

ومعنى" النسك " ، الذبح لله ، في لغة العرب ، يقال : " نسك فلان لله نسيكة" بمعنى : ذبح لله ذبيحة " ينسكها نسكا" ، كما : -

3414 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : النسك : أن يذبح شاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث