الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التفريق بين الجارية وولدها الصغير بالبيع والقسمة والهبة ونحوها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز بيع الجارية إلا [ مع ] حملها لأنه يتبعها في البيع والعتق فلا يجوز بيعها دونه كاليد والرجل ، ولا يجوز أن يفرق بين الجارية وولدها في البيع قبل سبع سنين ، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا توله والدة بولدها } وقال عليه السلام : { من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة } وإن فرق بينهما بالبيع بطل البيع لأنه تفريق محرم في البيع ، فأفسد البيع ، كالتفريق بين الجارية وحملها وهل يجوز بعد سبع سنين إلى البلوغ ؟ فيه قولان .

( أحدهما ) لا يجوز لعموم الأخبار ، ولأنه غير بالغ فلا يجوز التفريق بينه وبين أمه في البيع ، كما لو كان دون سبع سنين ( والثاني ) يجوز لأنه مستغن عن حضانتها ، فجاز التفريق بينهما كالبالغ ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي سعيد الخدري والحديث الآخر سنوضحهما [ ص: 442 ] مع غيرهما من الأحاديث الواردة في هذه في فرع بعد بيان الأحكام إن شاء الله تعالى .

( أما الأحكام ) ففي الفصل مسألتان : ( إحداهما ) لا يجوز بيع الجارية والبقرة وغيرهما من الحيوان دون حملها وقد سبقت المسألة واضحة بفروعها في مسألة بيع الحيوان بشرط أنه حامل .

( المسألة الثانية ) قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : يحرم التفريق بين الجارية وولدها الصغير بالبيع والقسمة والهبة ونحوها بلا خلاف ، ولا يحرم التفريق بينهما في العتق بلا خلاف ، وتجوز الوصية على المذهب ، وقال المتولي والروياني : فيه قولان وطرداهما في الوصية بالحمل ، هل يصح أم لا ؟ ( والمذهب ) الصحة والجواز في صورتي الحمل والولد . وفي التفريق بينهما في الرد بالعيب وجهان . وقال الشيخ أبو إسحاق المصنف في كتابه في الخلاف : لو اشترى جارية وولدها الصغير ، ثم تفاسخا البيع في أحدهما جاز ، وأما التفريق بينهما في الرهن ففيه تفصيل يذكر في كتاب الرهن إن شاء الله تعالى ، حيث ذكره المصنف والأصحاب . وإذا فرق بين الجارية وولدها الصغير في البيع والهبة ونحوهما ، ففي صحة العقد طريقان ( أحدهما ) القطع ببطلانه ، لأنه تفريق محرم . فهو معجوز عن تسليمه شرعا وبهذا الطريق قطع المصنف وجماهير العراقيين ( والثاني ) حكاه الخراسانيين فيه قولان ، وبعضهم يقول وجهان ( أصحهما ) وهو الجديد بطلان العقد ، وبه قال أبو يوسف ( والقديم ) صحته .

وقال أبو حنيفة قال الإمام أبو الفرج الزاز - بزايين معجمتين - [ ص: 443 ] الخلاف إنما هو التفريق بعد أن يسقيه اللباء أما قبلهن يصح بلا خلاف ، هذا حكم التفريق في الصغر ، وهو ما قبل سن التمييز ، وهو نحو سبع سنين أو ثمان تقريبا . وفيما بعد التمييز إلى البلوغ قولان ( أصحهما ) يكره ولا يحرم وهو الذي نص عليه في رواية المزني ، وفي سير الواقدي ( والثاني ) يحرم حتى يبلغ فعلى هذا في صحته الطريقان ( وأما ) التفريق بعد البلوغ فلا يحرم بلا خلاف ولكن يكره باتفاق الأصحاب .

( فرع ) لو كانت الأم رقيقة ، والولد حرا أو بالعكس ، لم يحرم بيع الرقيق منهما ، بلا خلاف للضرورة .

( فرع ) إذا قلنا بالضعيف إنه يصح بيع الأم دون ولدها قال الماوردي لا يقر المتبايعان على التفريق بينهما ، بل يقال لهما إن تراضيتما ببيع ملك أحدكما للآخر فذاك ، وإلا فسخ البيع ، وقال ابن كج : يقال للبائع تتطوع بتسليم الآخر أو تفسخ البيع ، فإن تطوع فامتنع المشتري من القبول فسخ البيع .

( فرع ) لو رضيت الأم بالتفريق لم يزل التحريم على المذهب الصحيح رعاية لحق الولد ، وحكى الرافعي وجها شاذا أنه يزول .

( فرع ) اتفق أصحابنا على أن أم الأم عند عدم الأم كالأم في التفريق بينها وبين ولد بنتها ، فلو كان له أم وجدة ، فإن بيع مع الأم فلا يحرم وإن بيع مع الجدة وقطع عن الأم ففي تحريمه قولان ( الصحيح ) المشهور تحريمه ، لأنه تفريق بينه وبين أمه ، ولو كان له أب وأم حرم التفريق بينه وبين الأم ولا يحرم بينه وبين الأب لأن حق الأم آكد ولهذا قدمت عليه في الحضانة ، ولو كان له أب ولا أم له ، حرم التفريق بينه وبين الأب على الصحيح من القولين ، وقيل : من الوجهين ( والثاني ) لا يحرم لما ذكرناه من ضعف مرتبته عن مرتبة الأم [ ص: 444 ] وفي التفريق بينه وبين الأجداد والجدات من جهة الأب ومن جهة الأم إذا لم يكن أب ولا أم ثلاثة أوجه ( أحدها ) يحرم ( والثاني ) يجوز ( والثالث ) يجوز بينه وبين الأجداد دون الجدات ، لأنهن أصلح للتربية وأشد حزنا لفراقه ( وأما ) التفريق بينه وبين سائر المحارم كالأخ والعم وبينهما والخال وغيرهم ( فالمذهب ) أنه يكره ولا يحرم ، وبه قطع الجمهور ( والثاني ) فيهم وجهان كالأب حكاه الرافعي ( فرع ) قال أصحابنا التفريق بين البهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن ، إن كان لغرض مقصود كالذبح جاز ، وإلا فهو مكروه ، ولا يحرم على المذهب ، وبه قطع جماهير الأصحاب وحكى الصيمري وصاحب البيان والرافعي فيه وجها شاذا أنه حرم ، والله سبحانه أعلم .

( فرع ) في بيان الأحاديث الواردة في المسألة ( منها ) عن أبي أيوب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة } رواه الترمذي وقال : حديث حسن . وعن الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي رضي الله عنه قال : { وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين ، فبعت أحدهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي ما فعل غلامك ؟ فأخبرته فقال : رده رده } رواه الترمذي وابن ماجه وآخرون ، قال الترمذي حديث حسن وليس بمقبول منه لأن مداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ، ولأنه مرسل ، فإن ميمون بن أبي شبيب لم يدرك عليا رضي الله عنه وقد ضعف البيهقي هذا الحديث .

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : { لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه } رواه ابن ماجه والدارقطني بإسناد ضعيف . وعن ميمون بن أبي شبيب عن علي رضي الله عنه { أنه فرق بين [ ص: 445 ] جارية وولدها ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ورد البيع } رواه أبو داود وقال : ميمون لم يدرك عليا . وعن حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يفرق بين والدة وولدها } رواه البيهقي ، وهو حديث ضعيف ، وحسين بن عبد الله هذا مجمع على ضعفه .

وعن جابر الجعفي عن عبد الرحمن بن الأسود عن ابن مسعود { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى بالشيء أعطى أهل البيت جميعا ، وكره أن يفرق بينهم } رواه البيهقي ، وقال : تفرد به جابر هذا وهو مشهور بالضعف . وعن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه نهى عن التفريق بين الأم وولدها حتى يبلغ الغلام ، وتحيض الجارية } رواه الدارقطني وضعفه فإن أحد رواته عبد الله بن عمرو بن حسان ، وهو كذاب ، وقد انفرد به . وعن سلمة بن الأكوع قال : { غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا ثم شن الغارة ، فورد الماء ، فقتل من قتل عليه ، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري ، فخشيت أن يسبقوني إلى الخيل ، فرميت بسهم بينهم وبين الخيل ، فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بسهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة معها بنت لها من أحسن العرب ، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر ، فنفلني ابنتها فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا ، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال : يا سلمة هب لي المرأة فقلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعجبتني وما كشفت لها ثوبا ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا سلمة هب لي المرأة فقلت : هي لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث بها رسول الله إلى مكة ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة } رواه مسلم ، وفيه دلالة للتفريق بين المرأة وولدها بعد البلوغ والله سبحانه وتعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث