الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
[ مشاركة العامل للمالك ، وأنواعها ]

المثال التاسع والثمانون : تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره ، بأن يدفع [ ص: 16 ] إليه أرضه ويقول : اغرسها من الأشجار كذا وكذا ، والغرس بيننا نصفان ، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه ، والربح بينهما نصفان ، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها ، والزرع بينهما ، وكما يدفع إليه شجرة يقوم عليه ، والثمر بينهما ، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها ، والدر والنسل بينهما ، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره ، والزيت بينهما ، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها ، والأجرة بينهما ، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها ، وسهمها بينهما ، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها ، والماء بينهما ، ونظائر ذلك ; فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس ، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا قياس ، ولا مصلحة ، ولا معنى صحيح يوجب فسادها .

والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة ، فالعوض مجهول فيفسد ، ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها ، والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك ، ومنهم من خص الجواز بالمضاربة ، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة ، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان ، وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر والنسل .

والصواب جواز ذلك كله ، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها ; فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك هذا بماله ، وهذا بعمله ، وما رزق الله فهو بينهما ، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى ، بالجواز من الإجارة ، حتى قال شيخ الإسلام : هذه المشاركات أحل من الإجارة ، قال : لأن المستأجر يدفع ماله ، وقد يحصل له مقصوده ، وقد لا يحصل ، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر ، إذ قد يكمل الزرع .

وقد لا يكمل ، بخلاف المشاركة ; فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء ، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما ، وإن منعها استويا في الحرمان ، وهذا غاية العدل ; فلا تأتي الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات .

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام ، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته ، وأجمعت عليها الأمة ، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ، وهذا كأنه رأي عين ، ثم لم ينسخه ، ولم ينه عنه ، ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون ، وأصحابه بعده ، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم ، وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها ، وهم مشغولون بالجهاد وغيره .

ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ما قال الليث بن سعد : إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز ، ولو لم تأت هذه النصوص والآثار ; فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ، والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك .

[ ص: 17 ] وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب ، وهكذا قالوا ، ولا بد له من فعل ذلك ; إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به ; فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه ، فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ، ولم يحرمه على الأمة ، وقد تقدم ذكر الحيلة على جواز المساقاة والمزارعة ، ونظيرها في الاحتيال على المغارسة أن يؤجره الأرض يغرس فيها ما شاء من الأشجار لمدة كذا وكذا سنة بخدمتها ، وغرس كذا وكذا من الأشجار فيها ; فإن اتفقا بعد ذلك أن يجعلا لكل منها غراسا معينا مقررا جاز ، وإن أحب أن يكون الجميع شائعا بينهما ; فالحيلة أن يقر كل منهما للآخر أن جميع ما في هذه الأرض من الغراس فهو بينهما نصفين ، أو غير ذلك ، والحيلة في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزء من درها ونسلها أن يستأجره للقيام عليها كذا وكذا سنة للمدة التي يتفقان عليها بنصف الماشية أو ثلثها ، على حسب ما يجعل له من الدر والنسل ، ويقر له بأن هذه الماشية بينهما نصفين أو أثلاثا ، فيصير درها ونسلها بينهما على حسب ملكهما ، فإن خاف رب الماشية أن يدعي عليه العامل بملك نصفها حيث أقر له به فالحيلة أن يبيعه ذلك النصف بثمن في ذمته ، ثم يسترهنه على ذلك الثمن ، فإن ادعى الملك بعد هذا طالبه بالثمن ، فإن ادعى الإعسار اقتضاه من الرهن .

والحيلة في جواز قفيز الطحان أن يملكه جزءا من الحب أو الزيتون ، إما ربعه أو ثلثه أو نصفه ، فيصير شريكه فيه ، ثم يطحنه أو يعصره فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيه ، فإن خاف أن يملكه ذلك فيملكه عليه ، ولا يحدث فيه عملا ; فالحيلة أن يبيعه إياه بثمن في ذمته ، فيصير شريكه فيه ، فإذا عمل فيه سلم إليه حصته أو أبرأه من الثمن ، فإن خاف الأجير أن يطالبه بالثمن ويتسلم الجميع ، ولا يعطيه أجرته ; فالحيلة في أمنه من ذلك أن يشهد عليه أن الأصل مشترك بينهما قبل العمل ، فإذا أحدث فيه العمل فهو على الشركة ، وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب ، وهي حيلة جائزة ; فإنها لا تتضمن إسقاط حق ، ولا تحريم حلال ، ولا تحليل حرام .

التالي السابق


الخدمات العلمية