الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي

( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون )

قوله تعالى : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون )

اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه في الدين والإسلام ، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيدا للحجة على اليهود والنصارى ، ومبالغة في البيان وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن "أم" معناها حرف الاستفهام ، أو حرف العطف ، وهي تشبه من حروف العطف "أو" وهي تأتي على وجهين : متصلة بما قبلها ومنقطعة منه ، أما المتصلة فاعلم أنك إذا قلت : أزيد عندك أم عمرو؟ فأنت لا تعلم كون أحدهما عنده فتسأل : هل أحد هذين عندك فلا جرم كان جوابه لا أو نعم ، أما إذا علمت كون أحد هذين الرجلين عنده لكنك لا تعلم أن الكائن عنده زيد أو عمرو فسألته عن التعيين قلت : أزيد عندك أم عمرو؟ أي اعلم أن أحدهما عندك لكن أهو هذا أو ذاك ؟ وأما المنقطعة فقالوا : إنها بمعنى "بل" مع همزة الاستفهام ، مثاله : إذا قال إنها لإبل أم شاء ، فكأن قائل هذا الكلام سبق بصره إلى الأشخاص فقدر أنها إبل فأخبر على مقتضى ظنه أنها الإبل ، ثم جاءه الشك وأراد أن يضرب عن ذلك الخبر وأن يستفهم أنها هل هي شاء أم لا ، فالإضراب عن الأول هو معنى "بل" والاستفهام عن أنها شاء هو المراد بهمزة الاستفهام ، فقولك : إنها لإبل أم شاء جار مجرى قولك : إنها لإبل أهي شاء فقولك : أهي شاء ، كلام مستأنف غير متصل بقوله : إنها لإبل ، وكيف وذلك قد وقع الإضراب عنه بخلاف المتصلة فإن قولك : أزيد عندك أم عمرو؟ بمعنى أيهما عندك ولم يكن "ما" بعد "أم" منقطعا عما قبله بدليل أن عمرا قرين زيد وكفى دليلا على ذلك أنك تعبر عن ذلك باسم مفرد فتقول : أيهما عندك؟ وقد جاء في كتاب الله [ ص: 68 ] تعالى من النوعين كثير ، أما المتصلة فقوله تعالى : ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها ) [النازعات : 28] أي أيكما أشد ، وأما المنقطعة فقوله تعالى : ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه ) [السجدة : 1-3] والله أعلم بل يقولون افتراه ، فدل على الإضراب عن الأول والاستفهام عما بعده ، إذ ليس في الكلام معنى ، أي كما كان في قولك : أزيد عندك أم عمرو؟ ومن لا يحقق من المفسرين يقولون إن "أم" ههنا بمنزلة الهمزة وذلك غير صحيح لما ذكرنا أن "أم" هذه المنقطعة : تتضمن معنى بل ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : "أم" في هذه الآية منفصلة أم متصلة؟ فيه قولان :

الأول : أنها منقطعة عما قبلها ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي : بل ما كنتم شهداء ، "والشهداء" جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين عندما حضر يعقوب الموت ، والخطاب مع أهل الكتاب ، كأنه تعالى قال لهم فيما كانوا يزعمون من أن الدين الذي هم عليه دين الرسل : كيف تقولون ذلك وأنتم تشهدون وصايا الأنبياء بالدين ولو شهدتم ذلك لتركتم ما أنتم عليه من الدين ولرغبتم في دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو نفس ما كان عليه إبراهيم عليه السلام ويعقوب وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده .

فإن قيل : الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل ، والمحكي عن يعقوب في هذه الآية ليس كلاما باطلا بل حقا ، فكيف يمكن صرف الاستفهام على سبيل الإنكار إليه ؟ قلنا : الاستفهام على سبيل الإنكار متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى .

فأما ذكره بعد ذلك من قول يعقوب عليه السلام : ( ما تعبدون من بعدي ) فهو كلام مفصل بل كأنه تعالى لما أنكر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك كيفية تلك الوصية .

القول الثاني : في أن "أم" في هذه الآية متصلة ، وطريق ذلك أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية ، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد ، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث