الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الفصل الثاني

نحن والقيم الغربية

المبحث الأول: القيم والحضارة

- ماذا نعني بالقيم؟

لكل حضارة عوالم ثلاثة: الأشخاص، القيم، والأشياء.

وما من شك أن الذي يميز حضارة عن أخرى ليس الأشخاص، فالناس في خصائصهم البيولوجية متماثلون، ولم يعد التفسير العنصري للتفوق العرقي، ذا قيمة تفسيرية، يمكنها أن تستهوي الأسوياء والعقلاء من البشر... فهو إلى التفسير الخرافي والأسطوري أقرب منه إلى التفسير العلمي أو الواقعي.

ولا يمكن أن يكون التمييز بين الحضارات على أساس الأشياء، ونعني بالأشياء هذه المنتجات المادية التي لم تعد اليوم حكرا على بيئة دون أخرى، ولا مكان دون آخر، فثورة الاتصالات والمواصلات قلصت المسافات، وقاربت بين الأقاليم... فما من مكان (محصن) ضد أن تدخله السيارة والتلفزة والثلاجة والهاتف... [ ص: 67 ]

فلم يبق إذن، إلا (القيم)... يمكنها أن تكون المميز لحضارة عن أخرى؛ لأنها هي ما يعطي لحضارة ما وجهها الحقيقي، ولونها الخاص بين ألوان الطيف الحضاري في تاريخ الإنسان.

فالقيم هي تلك المشتركات، التي تعلو على الملامح الذاتية - للأفراد والمكونات - وتسم حضارة ما بما يكون لها هوية جامعة.

وهذه القيم، تصاغ عادة في شكل علاقات، تعطيها مفهوم المنظومة المتكاملة، بحيث تلتقي جملة من القيم، تتداخل أو تتكامل، وتترابط في نسق واحد، قد يدور حول قيمة أو قيم مركزية، يصدر عنها ويعود إليها، ولكنه في النهاية يشكل ذلك الكل الذي نستخدمه عندما نريد أن نميز حضارة عن حضارة أخرى، إن في حالة البحث عن المشترك بين الحضارات، أو في حالة التأكيد على التناقضات والتباينات بينها.

وليس يعنينا في هذا السياق، أن نعود إلى الجدل الذي عرفه المشتغلون بمسائل الحضارة في التمييز بين الحضارة والثقافة والمدنية [1] ... فنحن نميل هنا إلى صيغة إجرائية، نعتبر من خلالها (الحضارة) هي العنوان، الذي يمكن تحليله إلى مفهومي (الثقافة) و (المدنية).

فتكون الحضارة هنا، هي أرقى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في حركته في التاريخ، وما الثقافة سوى الخلفية التي تستند إليها الحضارة، وما المدنية سوى الترجمة المادية لتلك الحضارة. [ ص: 68 ]

والمادية هنا لا تنصرف بالضرورة للأشياء، وإنـما نعني بـها كل المظـاهر التي تترجم بها حضارة ما نفسها في الواقع، فتكون شاملة للمنجزات المادية في عالم الاقتصاد، صناعة وزراعة وعمارة.... كما تكون شاملة للمنجزات البادية في المؤسسات الاجتماعية والسياسية والتعليمية...

فالحضارة إذن، لا تنفصل فيها الثقافة (جملة القيم المعنوية، المحددة للغايات والأهداف الكبرى للمجموعة البشرية المنضوية تحت حضارة ما)، والمدنية (جملة المظاهر المادية، التي تجعل منها تلك المجموعات البشرية وسائل لتحقيق الغايات والأهداف التي رسمتها في حياتها).

فعندما نتحدث هنا عن (المنظومة القيمية) لحضارة ما، فنحن نقصد المرجعية الثقافية، التي تستند إليها تلك الحضارة، في بناء تصوراتها حول الإنسان، وعلاقته بالوجود... علاقته مع الله والكون والإنسان.

وإذا كانت الحضارة، كما أسلفنا، ظاهرة ملازمة للإنسان، فما من حضارة إذن إلا ولها منظومة قيم تتأسس عليها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث